Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد أسعد خليل

الصمت المُقنع

A A
قد يساعدك التعرُّف على قوَّة تأثير فترات الصَّمت التي تتخلَّل الحديث عن تحقيق مكاسب في حياتك العمليَّة والعامَّة، في حين يظنُّ البعض أنَّ كثرة الكلام تحقِّق مكاسب أكبر، وتعكس صورًا مختلفةً للمتلقِّي، سواء كانت هذه اللقاءات على مستوى الأعمال، أو حتَّى على المستوى الشَّخصي والأصدقاء.

جرِّب في الاجتماع المقبل لك، وانتظر حتَّى يتوقَّف الحاضرُونَ عن الكلام، وحاول أنْ تحسبَ طول فترة الصَّمت، وعادة لا تزيد فترة الصَّمت التي تتخلَّل الحديث؛ عن ثانية واحدة، أو ثانيتَين، وتشير بعض الدِّراسات، إلى أنَّنا لا نترك في المعتاد سوى جزءٍ من الثَّانية؛ لنتيح للآخرين الفرصة للردِّ، حتَّى في لُغة الإشارة، وبينما قد ينطبقُ هذا النَّمط على مختلف البلدان حول العالم، فإنَّ طريقة تفسيرنا للصَّمت تختلف باختلاف الثَّقافات، وعليك الانتباه لهذه الاختلافات.

ربَّما إذا عرفت اللحظة المناسبة التي تلزم فيها الصَّمت، ستمسَّك بزمام الأمور، وتتحكَّم في كل شيء، بدايةً من صفقات البيع، والتَّفاوض على الرَّواتب، وتقديم العروض أمام الزُّملاء، وتطوير مهارات الموظَّفين، وهنا تنطبق مقولة: (السُّكوت من ذهب).

وقد يعد الصمت أثناء الحديث في بعض البلدان محيراً أو مريباً، في حين يراه سكان بلدان أخرى فرصة رائعة للتأمل والتفكير، ودليل على احترام ما قاله آخر المتحدثين، وتوصل أحد الأبحاث في جامعة غرونينغن في هولندا، باللغتين الإنجليزية والهولندية، إلى أن الصمت الذي يطول لأربع ثوان أثناء الحديث، يجعل الآخرين يشعرون بالقلق والارتباك، فالصمت أبلغ من الكلام أحياناً.

وعلى النَّقيض، توصَّلت دراسة منفصلة أُجريت حول الاجتماعات التجاريَّة؛ إلى أنَّ اليابانيِّين لم يتضجَّروا من فترات الصَّمت التي امتدَّت لثماني ثوانٍ تقريبًا، أي نحو ضعف فترة الصَّمت في اجتماعات الأمريكيِّين، وتتجلَّى هذه الاختلافات الثقافيَّة في أنَّ الشَّخص الثرثار يستأثر بالاهتمام، في حين يُقال في اليابان: (إنَّ خيرَ مَن تُنْصتْ إِليهِ هُو الرَّجلُ الصَّامتُ)، ويقول أحد الباحثين: بمجرَّد أنْ تكون في حاجة إلى بعض الكلمات ولا تجدها، فهذا يعني أنَّ هناك فشلًا بالفعل في فهم بعضنا بعضًا، لذا، فأنت تلجأ إلى تدارك ذلك الفشل عن طريق استخدام الكلمات أيضًا، ولعلَّ بعض الفنلنديِّين الذين يُقدِّرُون الخصوصيَّة والتحفُّظ وفن الإنِّصات، يُفضِّلُون جلسات الاستغراق في التفكير.

صدقًا كلَّما زاد التَّوافق والتَّجانس بينَ النَّاس، أصبح من السَّهل تقبُّل الصَّمت والاعتياد عليه، فإنَّ الجلوس في صمت مع الأصدقاء المقرَّبين وأفراد العائلة؛ أيسر من الجلوس في صمت مع الغرباء، أمَّا في مجال الأعمال، قد تكون فترةُ الصَّمت لخمس ثوانٍ طويلةٍ، لذا اترُك ثلاث ثوانٍ فقطْ قبل أنْ تتابع الكلام، وسوف تجد أنَّ تأثير هذه الفترة مدهش، نظنُّ أحيانًا أنَّ الصَّمت هو التَّوقف عن الكلام فحسبْ، لكن في الحقيقة الصَّمت يتيحُ للنَّاس الوقت لترتيب الأفكار والتَّروِّي.

مبادئ لابُدَّ أنْ نعي لها: (مَن يتكلَّم أوَّلًا هُو الخاسرُ)، (تعلُّم مهارةِ الصَّمتِ أصعبُ من تعلُّم مهارةِ التحدُّثِ).

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store