Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد أسعد خليل

ضربة معلم

A A
الكثير يسمعُ أو يستخدمُ عبارة «ضربة معلم»، وهي عبارة تُستَخدَم لوصف خطوة، أو قرار حاسم ومدروس، يؤدِّي إلى تحقيق نجاح كبير، أو تغيير إيجابي مفاجئ في سياقٍ معيَّنٍ، ويمكن أنْ تكون هذه الخطوة في أيِّ مجال من الحياة.. وهذه العبارة تعكس ذكاءً وتخطيطًا استثنائيَّين، واستغلالًا مثاليًّا للفرص.

يُحكَى أنَّ هناك سفينةً عملاقةً في طريقها للإبحار، تحمل على متنها مسافرين مهمِّين، ولكن قبل الانطلاق تعطَّل أحد محرِّكاتها الأساسيَّة، واضطُرَّت للتوقُّف لإصلاح هذا الخلل الطارئ، وتم استدعاء الخبراء والمختصِّين من الفنيِّين الموجودين على السفينة، ولكن بعد جهدٍ ووقتٍ، لم يستطع أحد منهم إصلاح هذا المحرِّك العملاق، حتَّى أنَّهم بدأوا في البحث عن أشخاص من مختلف الجهات، فدلَّهم البعض على رجلٍ عجوزٍ يعمل منذ أنْ كان شابًّا في إصلاح السفن، فطلبوا حضوره بشكلٍ عاجلٍ، وعندما وصل إليهم لم يكن مظهره يُوحي بقدرته على التَّعامل مع هذا النوع من المحرِّكات، ولكن لم يكن أمامهم خيارات أُخْرى سوى إعطائه فرصة مثل الآخرين، حتَّى بدأ في العمل من خلال حقيبته القديمة المتهالكة، التي كان يحملها، فقام بفحص المحرِّك بشكلٍ دقيقٍ، من القمَّة إلى القاع، ومن مختلف الاتِّجاهات، أمام نظرات المختصِّين والقياديِّين في السفينة، وبعد الانتهاء من الفحص بالطريقة العجيبة، ذهب الرجل العجوز إلى حقيبته؛ وأخرج مطرقةً صغيرةً وسط ذهول الجميع، وبهدوءٍ شديدٍ طرق على جزءٍ معيَّنٍ من المحرِّك، وبعدها عاد المحرِّك فورًا للحياة والعمل بشكلٍ لافتٍ.. وبعنايةٍ وحرصٍ أعاد المطرقة إلى مكانها، وقال للجميع: المحرِّك تم إصلاحه، وبالفعل تم التأكُّد من ذلك، وأكملت السفينة إبحارها نحو غايتها، ولم تنتهِ القصَّة بعد إلى هنا، ولكن بعد أيامٍ قليلةٍ استلم أصحاب السفينة فاتورة الإصلاح من الرَّجل العجوز، وكانت مفاجأةً لهم بأنَّ مبلغ الفاتورة هو عشرة آلاف دولار!!، وتم الاعتراض على حجم المبلغ المطلوب في عمليَّة إصلاح لم تأخذ سوى بضع دقائق، حتَّى أنَّ البعض قالوا: هذا المبلغ كبيرٌ جدًّا، فهو لم يفعل شيئًا سوى الطَّرق بالمطرقة الصغيرة على المحرِّك، لذلك طلبوا من الفني العجوز فاتورة مفصلة مع التوضيح الكامل، فأرسل الرجل الردَّ مع التَّوضيح المفصل للفاتورة، وأوضح أنَّ الطرق بالمطرقة تكلفته دولار واحد، ومعرفة وخبرة أين تطرقُ؟، تكلِّف 9999 دولارًا، انتهت القصَّة.

إنَّها تكلفة المهارة، وليس الجهد، فالجهد مهم، ولكن معرفة أين تبذل الجهد هو الذي يصنع الفرق في حياتنا، لذا من عوامل وخصائص نجاح «ضربة المعلم»، التَّخطيط المُسبق، فهي نتيجة تحليل عميق، وتفكير إستراتيجي، وليست مجرَّد صدفة، وتحتاج الجرأة والشجاعة، إذ تتطلَّب اتِّخاذ قرار جريء قد ينطوي على مخاطرة محسوبة، والمهم التوقيت المثالي؛ لأنَّها تحدث في اللحظة المناسبة تمامًا؛ ممَّا يزيد من تأثيرها وفعاليتها، وسوف تصل إلى النتائج الكبيرة، وتؤدِّي إلى مكاسب أو نجاحات تفوق التوقُّعات، ولها من التأثير الإيجابي طويل الأمد، وغالبًا ما يكون تأثيرها مستمرًا، ويؤسس لنجاحات مستقبليَّة.

للتفكير خارج الصندوق، لابد من البحث عن حلول غير تقليدية، وطرق مبتكرة للتعامل مع التحديات التي تواجهها، واتخاذ القرار بثقة، فلا تتردد في اتخاذ القرار إذا كنت تؤمن بصحته بناءً على الأدلة والبراهين، فيجب استغلال الفرص بسرعة، لأن الانتظار الطويل، والفرص النادرة لا تدوم، وأحياناً تحتاج «ضربة المعلم» إلى وقتٍ لتؤتي ثمارها، فكن صبوراً.

(ضربة معلم، تعكسُ العقليَّة الذكيَّة، والرُّؤية الإستراتيجيَّة التي تتجاوز التوقُّعات من الجميع).

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store