كثيرةٌ هي الألقاب التي تُعدُّ بصمةً أو صفاتٍ ملازمةً لمبدعة «موزاييك» نادية خوندنة، فهي الأديبةُ القاصَّةُ النَّاقدةُ المُترجمةُ والأكاديميَّةُ.
الموزاييك، أو الفسيفساء كما يُسمَّى في المغرب والمشرق العربي، هو عبارة عن قطعٍ صغيرةٍ ملوَّنةٍ؛ تُصفُّ بجوار بعضها بطريقة فنيَّةٍ، لترسم لوحةً، أو جدارًا، أو تحفةً فنيَّةً؛ هذا هو الذي صنعته خوندنة في كتابها «موزاييك». جمعت عددًا من الدِّراسات النَّقديَّة التي شاركت بها في ملتقيات أدبيَّة، أو مجلَّات، أو دوريَّات أدبيَّة لأدباء وأديبات من دول الخليج العربي، ومن العالم العربي، ومن أوروبا وأمريكا وإفريقيا، والمكان المقدَّس في الرواية السعوديَّة.
تقول: «يهدي هذا الكتابُ لقرَّائه قطعًا متنوِّعةَ اللَّون والحجم من الموزاييك، أو الفسيفساء الأدبيَّة، يربطها جميعها شريطٌ حريريٌّ من التَّحليل الأدبي، وقراءات ومقاربات نقديَّة متنوِّعة، تخاطب القارئ الشَّغوف بقراءة الأدب، وبالذَّات السَّرد والشِّعر، قراءةً واعيةً متفحِّصةً وباحثةً».
لغتها في الكتابة آسرة، وفي النَّقد أسلوبها متفرِّد، فهي كما تقول في التَّمهيد للكتاب: «في قطع الفسيفساء هذه، يجد القارئ... أنَّ معظم المصطلحات النقديَّة التي اعتمدت عليها الكاتبة في تحليلاتها للنُّصوص المختارة، قد كُتبت بأسلوب مباشر ومبسَّط، رغبةً في توثيق العلاقة بين النَّقد الأدبيِّ وغير المختصِّين من القرَّاء».
هكذا هي خوندنة حتَّى وهي متحدِّثة في النَّدوات والمؤتمرات، تجذبك بعمق الأفكار، ورقَّة الأسلوب الأدبيِّ، وبساطة النَّظريات، رغم أنَّ دراستها أو تخصُّصها العلمي هو الأدب الإنجليزي، كما أنَّها تجيدُ اللُّغة الألمانيَّة التي درستها في معهد غوته، بالإضافة إلى لُغتها العربيَّة السَّليمة بكلِّ معنى الكلمة.
من المفاهيم النَّقديَّة التي تناولتها النَّاقدةُ في موزاييك، على سبيل المثال لا الحصر، كما تقول: نظريَّة الجبل الجليديِّ في مجموعة من القصص القصيرة لثلاث كُتَّاب من السعوديَّة هم: جمعان الكرت، أيمن عبدالحق، وحسن الفيفي. تقول: «قراءتي ومقاربتي لهذه القصص كانت في ضوء نظريَّة الجبل الجليدي، حيث لا يكون المعنى -بصفةٍ عامَّةٍ- مباشرًا على السَّطح، وإنِّما يتألَّق ضمنِّيًا من خلالها»، ص 37.
الواقعيَّة السحريَّة في رواية «حكاية حب في زمن كورونا»: كان الوقت مساءً لعبدالحميد القائد من البحرين.
تدور الحكاية حول قصَّة حُبٍّ رومانسيَّة جنونيَّة، بين الطبيبة التونسيَّة الحسناء فائقة الجمال، المقيمة في البحرين، وبين الكاتب والشَّاعر البحريني.. خلال فترة الحجر الصحِّي لجائحة كورونا.
بردة الهاشمي: قراءة نقديَّة لقصيدة د. شهاب غانم «من وحي رحلة حجازيَّة»، تقول: «يمكننا تصنيف هذه القصيدة التي جمعت عدة خصائص وسمات أدبيَّة متنوِّعة، ضمن أدب الرحلات، والمديح النبوي، والشِّعر السَّردي أو الحكائي القصصي» ص 107.
وجدانيَّات الحنين: قراءة في رأيت رام الله، ووُلدت هناك، وُلدت هنا لمريد البرغوثي، تقول: «يأخذنا مريد البرغوثي في كتابه رأيت رام الله 1997م، ووُلدت هناك، وُلدت هنا 2009 في رحلة تاريخيَّة وجدانيَّة، تتجلَّى فيها علاقة الإنسان بالمكان، وكيف يمكن أنْ تصبح هذه العلاقة قويَّة، متينة كارتباط الوليد بأُمِّه»، ص175.
أما قراءتها للنقد النسوي في الغرب، فهي تقدم نبذة تاريخية وصفية للحركة النسوية في الغرب، وعلاقتها بالأدب النسوي من خلال بعض الأمثلة لكاتبات غربيات في سياق الانفتاح على الآخر، تحقيقاً لأهداف الرؤية المباركة 2030، لمعرفة جانب مهم، وإن كان يسيراً، من تاريخ المرأة الغربية في سبيل حصولها على حقوقها كما ذكرت.
قراءة نقديَّة لرواية العار، للكاتب جنوب الإفريقي جون ماكسويل كوتزييه. تقول: «تحاول هذه الورقة من خلال القراءة النقديَّة لرواية العار، للكاتب المعاصر جنوب الإفريقي 1940م، استجلاء الحقيقة، وهل يمكن بالفعل نسيان الماضي الملطَّخ بعار الوحشيَّة، والتَّسامح والتَّعايش السِّلمي بين الضحيَّة والجلَّاد»؟!
رحلة هداية من النَّبيذ إلى زمزم. وهي رحلة المُستشرق الألماني مراد هوفمان «ورحلته هنا تأخذ بُعدين اثنين، أوَّلهما بُعدٌ رمزيٌّ، وهو رحلته من ظلامِ الكُفرِ إلى نورِ الإسلامِ، والثَّاني بُعدٌ واقعيٌّ، وهو رحلته إلى مكَّة المكرَّمة لأداءِ الحجِّ.
الكتاب بديع وممتع، أحببتُ أنْ أنقل إليكم نزرًا يسيرًا من فسيفسائه.


