Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

المُتعلّمة!!

A A
* هل قرأت أو سمعت بكتاب (المتعلمة)؟!.. ذلك الكتاب الذي قفز إلى قائمة الأكثر مبيعاً في أمريكا خلال العام 2018م، وتُرجم إلى أكثر من 45 لغة، وحصل على العديد من الجوائز كواحد من أهم أعمال ذلك العام وأكثرها تأثيراً.. حسناً.. إن لم تسمع به من قبل؛ فسأشير عليك بقراءته، لأن قوة ذلك الكتاب المُلهم تأتي من غرابة قصة كاتبته، فهو سيرة ذاتية للأمريكية (تارا ويستوفر) التي وُلِدَت في العام 1986م، لكنك ستشعر أنها وُلِدَت في 1698م لهول ما تعرضت له الكاتبة من غرائب لا تتناسب مع عصرنا الحالي، ولن تصدق أنها لا تزال مسيطرة على عقول فئات وطوائف بأكملها في المجتمع الأمريكي!.

* وُلِدَت (تارا) في أيداهو لعائلة مسيحية متشددة، ترفض التعليم والطب والمدنية بأسرها، وفضلاً عن أنها وُلدت في المنزل؛ بعيداً عن المستشفيات، وبلا وثائق رسمية تثبت وجودها كإنسانة، فقد نشأت في عزلة عن العالم الخارجي، وتحت قيود فكرية ودينية ضيقة فرضها والدها؛ الذي ينتمي للطائفة (المورمونية)، التي يرفض أفرادها العلوم وأي ارتباط بالعالم الخارجي، ويرونها مؤامرات حكومية تُحاك ضدهم!.

* وسط هذه الثقافة الخانقة نشأت (تارا) دون أي تعليم رسمي، ولم تكن تعرف شيئًا عن الحياة خارج حدود منزلها، كان العمل الشاق جزءًاً من طفولتها، فقد كانت تجمع الخردة مع والدها وتتعرض لإصابات لا يُسمح لها بعلاجها إلا بالأعشاب فقط، لكن بذور التحدي بدأت تنمو بداخلها، فتعلّمت القراءة والكتابة ذاتياً، متحدية معتقدات والدها، وفي خطوة جريئة، تمكنت من اجتياز اختبار القبول الجامعي ودخول الجامعة، كانت تجربتها الأولى في التعليم الرسمي صادمة، حيث واجهت فجوة كبيرة في المعرفة، لكنها قابلت الجهل بشغف التعلم والمثابرة.

* حصلت (تارا) على الدكتوراة من كامبريدج، وأصبحت مصدر إلهام عالمي، ليس لأنها آتية من الصفر فقط، بل ولأنها أثبتت أيضاً أن التعليم يمكن أن يحرر الإنسان من قيود الجهل والتشدد.. والجميل هنا أنها ‏لم تختر لنفسها وصفاً غير (المتعلّمة) كتمييز لها عن أبناء طائفتها الذين لم يسعفهم الحظ بالتعلّم، بل إنها أطلقته على كتابها الذي طاف العالم كشهادة حية على قوة الإرادة البشرية، والعلم.

* قصة (تارا) تؤكد على أن التشدد لا يخص ديناً بعينه ولا مجتمع دون غيره؛ فالأفكار المنغلقة التي تمنع الحياة وتزرع الخوف يمكن أن تنشأ تحت أي عقيدة أو أيديولوجية وفي أي مكان.. قد يكون هناك عشرات ومئات الآلاف من الأشخاص الذين يواجهون حياة أكثر قسوة وانغلاقاً من التي واجهتها (تارا)، لكن وجه الغرابة هنا أن القصة حدثت في المجتمع الأمريكي، وخلال عقد الثمانينيات الميلادية القريب!.

* الجهل ليس هو نقيض العلم، بل التشدد هو المضاد الحقيقي. فهو الذي يعيقك عن الحياة، ويمنعك من الاستفادة من العلوم التي ألهمها الله لعباده من أجل عمارة الأرض.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store