Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

الإدارة بالستر!

A A
* قد يبدو العنوان جميلاً وجذاباً؛ فالستر قيمة إنسانية محمودة في كثير من الأحوال؛ تعكس الحكمة والتعقل وتجنب هتك الأسرار.. لكن الأمر هنا مختلف تماماً، فالإدارة بالستر ليست مفهوماً إدارياً قائماً على التكتّم الواعي في إدارة الأمور الحساسة، بل هي منهجية غير رسمية يتبناها بعض المديرين الذين يفضلون البقاء في الظل، متجنبين الظهور، وملتزمين سياسة «خلّها تمشي والله يسترها».. خوفاً من لفت انتباه الإدارة العليا، أو حتى الموظفين من حولهم!.. إنها إدارة (مقنعة) فاقدة للثقة، تُبقي المؤسسة عائمة بلا وجهة واضحة، ما يجعل الأزمات أقرب من الحلول، والنجاح مسألة صدفة لا تخطيط.

* «إذا كنتَ لا تستطيع قيادة الناس إلى الأمام، فلا تكن حائلاً بينهم وبين التقدم»، هذه المقولة لعملاق الإدارة (بيتر دراكر)، تعكس أزمة القيادة حينما يقرر المدير (المرتبك) أن يمارس الإدارة من وراء حُجُب، أو من خلف ستار، هؤلاء يفوتهم أن القيادة ليست موقعاً، بل هي تأثير، وإذا غاب التأثير، أصبح المنصب بلا قيمة، وأصبحت الأهداف بلا ملامح، والقرارات بلا شخصية.

* إذاً (الإدارة المتسترة) ليست مفهوماً أكاديمياً بقدر ما هي وصف لحالة ضعف يختار فيها المدير - بكامل قواه العقلية- التزام الصمت المفرط، والحياد السلبي خوفاً من انكشاف ضعفه، والمضحك عندما يُبرر هذا الانكماش بأنه تفويض وتوزيع للصلاحيات، لكن الواقع يقول إنه تخلٍّ عن الصلاحيات وليس تفويضاً لها، فالدور الحقيقي للقائد يتمثل في الموازنة بين إدارة التفاصيل وتمكين الفريق، والإدارة الفعالة تعني التواجد في كل مكان دون أن تكون مرئياً طوال الوقت.

* تشير دراسة بإحدى المجلات الإدارية إلى أن 58% من الموظفين حول العالم يرون أن غياب التوجيه الصحيح من المديرين؛ يقلّل من الإنتاجية العامة للمنظمة، وهذا يعكس الضرر الذي قد تسببه الإدارة الغامضة.. يروي أحد الأصدقاء أنه توجه إلى مديره طالباً توجيهًا تجاه مشكلة تواجهه في العمل، فرد عليه بابتسامة باردة قائلاً: «حلّوها بأنفسكم، أنتم تعرفون ما يجب القيام به أكثر مني»، قد تبدو هذه العبارة وكأنها محفزة على الاستقلالية، لكنها في الواقع تحمل قنبلة موقوتة: غياب القيادة وسلبيتها.

* الخلاصة أن هذا الأسلوب ليس سوى انعكاس لخلل أعمق في شخصية المدير، وفي قدراته وفهمه لدوره الحقيقي، فالقائد الناجح ليس من يتوارى عن المشهد، بل من يعرف متى يظهر ويتدخل، ومتى يترك مساحة لغيره، فالقادة يُصنعون في الأزمات، وليس خلف الأبواب المغلقة.

* أخي المدير المختبئ: إذا كنت تعتقد أنك بهذه الطريقة تتستر على ضعفك وقلة حيلتك؛ فأنت واهم، فالإدارة ليست مظلّة تُستعمل عند الحاجة، وتُطوى عند انتهاء العاصفة. إنها مسيرة يومية تحتاج إلى ثقة وحضور، وتأثير دائم، وفي عالم يزدحم بالتحديات، فإن الإدارة بالتخفّي قد تكون أقصر الطرق إلى الانتحار الوظيفي.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store