Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

الشعب السوري.. وعودة الروح

A A
كمْ خفقت القلوبُ حزنًا على الشعب السوريِّ، الذي تدفَّق إلى أنحاء الكرة الأرضيَّة!

كم انتظروا، وانتظرنا، وانتظر العالم عودة الشعب السوريِّ إلى وطنه الثَّريِّ بخيراته، والتي استحوذ عليه طاغيةٌ وريثُ طاغيةٍ!

عاد الشعبُ السوريُّ إلى سوريا، بعد أن عادت إليه روحه، التي انخلعت زمنًا طويلًا، لازم فيها الصَّمت الرَّهيب، ثمَّ ثار ثورته التي كانت من أقسى الثَّورات وأطولها.

«انخلاعُ الرُّوح»، هو عنوانُ قصيدة للشَّاعر الفلسطينيِّ الرَّاحل محمود درويش، يصف فيها حاله في غربته، وهجرته الطَّويلة؛ هربًا من بطش المحتلِّ الصهيونيِّ، تذكَّرتُها وأنا أشاهدُ عودة السوريِّين بالأفراح والأهازيج، رغم الوجع، عادت لهم الرُّوح بعد أنْ خلعتها الغربةُ والفرقةُ والطغيانُ وجبروتُ الإبادة..

يقول درويش: لمْ يعدْ بداخلِي وطنٌ ألجأُ إليهِ... كلًّ مَا بداخلِي غربةٌ ومازلتُ أردِّدُ لا بأسَ.. لا بأس. وكلُّ البأسِ في قلبِي. أنَا بخيرٍ.. رضوضٌ في المشاعرِ وكسرٌ في الخاطرِ... وبعضُ خدوشٍ في الذَّاكرةِ.

يقول الطبيبُ: لا شيءَ مميت، خلعٌ في الرُّوح فقطْ..

أجلْ خلعٌ في الرُّوح للعائدِينَ الذين فقدُوا بعضًا من أحبَّتهم، عادُوا باشتياق إلى ياسمينة متسلِّقة جدار بيتهم، لكنَّها جفَّت وسقطت، وهرب عطرُهَا، عادُوا إلى بساتينِهم وأصصِ الزَّرع تزيِّنُ رواقَ بيتهم.

عمَّت الأفراحُ بهذا السقوط، أو الرَّحيل؛ للرَّجل الذي أباد شعبَه ليبقَى في السُّلطةِ.

لم تستقر الفرحةُ على الوجوهِ حتَّى بدأت فظائع السُّجون وضحايا التَّعذيب تُظهِر حجمَ الانتهاكات الإنسانيَّة وفظائعها.

يقولُ الكاتبُ الكولومبيُّ غابرييل غارسيا ماركيز في رواية: «خريف البطريرك»: «السُّلطةُ المطلقةُ تلخِّصُ كلَّ ما في الإنسانِ من عظمةٍ وبؤسٍ، وأدنَى وأوضعَ ما في الطبيعةِ البشريَّةِ».

التِّيمة الأساسيَّة في الرِّواية هي حياة الديكتاتور، فكلَّما قامت ثورة أُزهقت روحه؛ عاد مرَّة أُخْرى لينتقمَ من كلِّ مَن كانَ ضدَّه، حيث يتحدَّث ماركيز عن البطريرك، أو الديكتاتور الذي يحكم فنزويلا، ويصفُ الحياةَ التي يعيشها الديكتاتورُ وخريفه وموته، كما يحدث لبعض الشُّعوب بعد خلاصها من الديكتاتور، يعتلِي السُّلطةَ ديكتاتورٌ آخرُ، وكأنَّ الرَّوحَ تعود للديكتاتور مرَّاتٍ ومرَّاتٍ، كلَّما ثارت الشُّعوب وخرجت من غياهب الصَّمت، ودفعت أثمانًا باهظةً من أجل التخلُّص من عذاباتها؛ بعد أنْ تفيق من نشوةِ الانتصار، تجد الديكتاتور يستيقظُ من موته، وتدبُّ فيه الرُّوح، وتعود سالمةً بالسَّلامةِ، وكأنَّنا لا رُحنَا ولا جِينَا.

كمْ هي الحكاياتُ الموجعةُ السَّاكنةُ في قلوب الأُمَّهات والآباء والأبناء، لابُدَّ أنَّها تنتظرُ هناك في أرواحهم، تنتظرُ بحرقةٍ ليس فقط حرقة الفراق، بل العذاب والتَّعذيب الذي أزهق تلك الأرواح؛ لينعمَ فردٌ واحدٌ وأسرتُه بنعيم السُّلطةِ والثَّروةِ.

مَن يملك القدرة لكتابة قصَّة، أو رواية تمتلئ بالأحداث الدراميَّة المُرعبة، كالقصص والحكايات التي عاشها الشَّعبُ السوريُّ بالصَّوتِ والصُّورةِ؟.

لا يستطيعُ كاتبٌ -مهما كان مستوى إبداعه- كتابةَ مثل تلك التراجيديا الإنسانيَّة المُرعبة، التي عاش ويلاتها شعبٌ بكامل فئاته؛ لأنَّ الخيال -مهما كانَ خصبًا- يعجزُ عن تصوير جبروت طاغيةٍ وزبانيتهِ.

لا شك أن كل سوري يملك قصته الخاصة، حزنه وآلامه.. ما فقده أكبر من الحزن والألم، حتى من شارك في احتفالات العودة؛ يطوى أحزانه من أجل الوطن، ومن أجل الخلاص، الحلم الطويل الذي راود الشعب السوري على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان.

أثبت الشعب السوري للعالم نضجه ووعيه وعمق ثقافته، أثبت أنَّه جدير بالتحرر من الطاغية وجدير بعودة الروح، والعالم كله يقف معه يدعم نصره ويرمم كسره.

مملكتُنا الحبيبةُ سبَّاقة دائمًا بجهودِ خادم الحرمين الشَّريفين، وولي عهده الأمين، فلا يزال جسرُ المساعدات الجويّ ممدودًا بالخيرات؛ لتساعد إخواننا في سوريا على النُّهوض، هذه هي مملكتُنا، يدٌ ممدودةٌ بالخير في كلِّ اتِّجاه.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store