إذا أردتَ تحقيق أهدافك وتطوير قدراتك الشخصية والمهنية، عليك بـ «العمل بعمق» الذي يمكن أن نُعرِّفه على أنه هو القدرة على التركيز على أداء مهمة تتطلب جهداً علمياً دون تشتت، ودون انقطاع، بهدف الوصول إلى أقصى قدرات العقل البشري، لتحقيق اختراقات معرفية، وهذه المهارة تسمح لك بسرعة فهم المعلومات المعقدة، وتحقيق نتائج أفضل في وقتٍ أقل وأفضل فيما تفعله، ويمدك بإحساس الإنجاز الحقيقي الذي يأتي من إتقان العمل.
ومهارة العمل بعمق أصبحت أكثر المهارات قيمة في الاقتصاد الرقمي الحالي، خاصة، مع الحاجة المستمرة للتعلم المستمر؛ تبعًا للتطور السريع في التكنولوجيات الحاضرة، ومجالات تعلم الآلة والذكاء الاصطناعي، التي تُعد صعبة الفهم وتحتاج إلى تركيز شديد، لا يتحقق إلا بالعمل بعمق.
إن مهارة العمل بعمق مهارة نادرة، فالوقت الذي يكثر فيه الطلب على هذه المهارة يقل العرض، ما يعني أن القلة القادرين على ممارسة العمل بعمق من خلال جعله محور حياتهم؛ هم من سينعمون بالازدهار المهني في العصر الحالي والقادم.
التكنولوجيا الرقمية غيّرت من طبيعة سوق العمل بشكل ملحوظ لصالح الأتمتة، مما وضع جميع العاملين في سباقٍ محموم ضد الآلة، وفي الوقت الذي تتقدم فيه التكنولوجيا بوتيرة متسارعة، لا تزال العديد من المؤسسات، بل والمهارات الفردية، متخلِّفة عن الركب، الأمر الذي يعزز من الفجوة بين العمال والآلة، ولا يملك فرصة الازدهار في هذا الاقتصاد الجديد؛ إلا من كان ضمن ثلاث مجموعات من البشر: أصحاب المهارات العالية، والنجوم البارزين، وأصحاب المشاريع.
كيف يمكن الانضمام إلى إحدى هذه المجموعات الثلاث؟، الأمر يتطلب قدرتين أساسيتين فقط، القدرة على تعلم الأشياء الصعبة والمعقدة بسرعة، والقدرة على الإنتاج، هذا الإنتاج ينبغي أن يكون في مستوى النخبة، من جهة السرعة والجودة، ولكي نمتلك القدرتين السابقتين لا بد من تمرّس مهارة العمل بعمق، لأننا إن لم نكن قادرين على العمل بعمق؛ فسوف نعاني بشدة عند تعلم الأشياء الصعبة والمعقدة، ولن نتمكن من الإنتاج المنتظم، الذي يحقق قيمة مضافة في هذا العالم.
ولكي نتعلم الأشياء الصعبة، سنحتاج إلى التركيز الكامل على مهمة واحدة من خلال العمل لفترات طويلة خالية من التشتيت، ولقد حاول الخبراء في علم نفس الأداء؛ معرفة ما يتميز به الخبراء في مجالاتهم عن غيرهم، إذ إن الفهم العميق لمجال ما، يحتاج إلى معالجة القضايا ذات الصلة بشكل منهجي، إذ يعمل الدماغ البشري على كشف طبقات الانتباه التي توصل إلى الحقيقة الكامنة وراء كل علم، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال مدة كافية من التركيز المكثف بدون أي نوع من المشتتات، فتعلم الأشياء الصعبة يحتاج إلى فترات تركيز مكثف بدون أي إلهاء، وكلما تمكنت من ممارسة العمل بعمق وأصبحت قادرًا على الدخول فيه واستدعائه بسرعة، تعلمت الأشياء المعقدة بدون عناء مرة بعد أخرى، وإذا لم تألف العمل العميق لفترات طويلة؛ سيكون من الصعب أن تصل إلى ذروة الإنتاجية اللازمة للازدهار المهني، ومهما كنتَ موهوبًا وحاد الذكاء، فسيتفوق عليك من هو دونك إذا مارس العمل بعمق.
قانون الإنتاجية: (العمل عالي الجودة = الوقت المنقضي X حِدّة التركيز).


