أُفكِّرُ جِدَّيًا في شُرْبِ الماء فقطْ من زِيرٍ فخَّاريٍّ، كما كان يفعل أباؤنا الأقدمُون، أو من قواريرَ زجاجيَّةٍ، أو من أكوابٍ وأباريقَ وكؤوسٍ مصنوعةٍ من الفولاذ المُقاوم للصَّدأ، بدلًا من القوارير البلاستيكيَّة التي تكشف بعضُ التَّقارير الطبيَّة بأنّها تُحوِّلُ قطرات الماء إلى سمومٍ خفيَّةٍ، تندسُّ وتتراكمُ في الجسم، وإلى ألغام موقوتةٍ قد تنفجَّر في أيِّ لحظة!.
والماءُ طبعًا بريءٌ من السُّموم والألغام، وقد خلقه الله طاهرًا ونقيًّا، وجعلَ منه كلَّ شيءٍ حيٍّ، والمشكلة هي في البلاستيك، الذي إذا تعرَّض لأدنى حرارة خارج وداخل المنازل، ينزفُ -دونَ أنْ نشعرَ- بقايا كيميائيَّة صغيرة إلى الماء، وتُسمَّى البيسفينول، ومن خصائصها الضَّارَّة أنَّها تتلاعبُ بهرمونات الجسم، وتأثيرها غير مرئيٍّ، وتفترسُ الأعصاب، وتفتكُ بالخصوبة، وتُسبِّب العديد من الأمراض، بل وحتَّى مرض السَّرطان الخبيث -شفى الله مرضاه، وعافا منه الأصحَّاء.
ويزداد الطينُ بلَّة إذا شرب الإنسانُ من قارورةٍ بلاستيكيَّةٍ ثمّ أعاد ملئها للشُرْب بُغية التَّوفير، إذ تتكدَّس الجراثيمُ داخل شقوق دقيقة في البلاستيك، ولا تُرَى بالعين المُجرَّدة، وتُصبح ملاذات لسُلالات الجراثيم التي تُسبِّب الأمراض!.
ولا تتوقَّف المأساة عند أجسامنا، بل تتجاوزها للبيئة من حولنا، فالبلاستيك، كمَا أنَّه لا يُهضم في الجسم، فلا يتحلَّل بيئيًّا إلَّا بعد مئات السِّنين، ووجوده هكذا هو تلوُّثٌ بيئيٌّ خطيرٌ، وكأنَّنا نسقي البيئة بما أسقيناه لأنفسنا من سموم!.
وأنا أدعو وزارة التجارة، وهيئة الغذاء والدَّواء لمراجعة مواصفات القوارير البلاستيكيَّة للمصانع المحليَّة، وكذلك الخارجيَّة، التي نستورد منها المياه، والتأكُّد من معايير البلاستيك المُستخدَم، فهناك أنواع مُحسَّنة منه قد ظهرت في الآونة الأخيرة، وبسماكة ذات مقاومة أكبر للحرارة، وأمانًا أكثر من تحلُّل البلاستيك.
ونحن معشر -السعوديِّينَ- من أكثر شعوب العالم استخدامًا للقوارير البلاستيكيَّة، وهي شريكة حياتنا التي لا نجرؤ على تطليقها، ونحتاج لشُرْب الماء نقيًّا وفُراتًا لا سموم فيه، حتَّى لا ينطبق علينا قول الشَّاعر العربيِّ:
تُنْكِرُ العَيْنُ ضُوءَ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ
ويُنْكِرُ الفَمُ طَعْمَ المَاءِ مِنْ سَقَمٍ


