.. بدءًا أُهنِّئكُم بحلول شهر القرآن.. تقبَّل الله منَّا ومنكم الصِّيام، والقيام، وصالح الأعمال.
ثمَّ على مطالع هذا الشهر الكريم، تجول بخاطري أكثر من فكرة، اسمحوا لي أن أعرض بعضها في عجالة..
*****
.. أولاها: التَّرائي..
في الزِّمن الماضي، كانوا يعتمدُون على رُؤية الهلال بالعين المجرَّدة، ورغم إنشاء مرصد مكَّة فوق جبل أبي قبيس، منذ عام 1367 في عهد الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، وما تلاه من مراصد، وأقسام فلكيَّة في الجامعات وغيرها، إلَّا أنَّ الجدليَّة حول ثبوت الهلال بالعين المجرَّدة، أو بالفلك ظلَّت تتكرَّر كلَّ عام إلى وقت قريب؛ حتَّى تمَّ -مؤخَّرًا- المواءمة بين الرُّؤيتين من خلال التَّرائي عبر المراصد الفلكيَّة الحديثة والمنتشرة في العديد من المدن، وتمَّ تنظيم العمليَّة بشكل دقيق من خلال المحكمة العُليا، وانتشار القضاة في مواقع الأهلَّة وتعدُّد الرَّائين..
*****
.. وقديمًا كان إبلاغ النَّاس برُؤية الهلال، يمثِّل مشكلةً في زمن شحيح جدًّا إعلاميًّا..
في أغلب مناطق المملكة، حيث الصَّحارى، والأرياف، والقرى، كان النَّاس يلجأون إلى أصوات البنادق؛ لإعلام النَّاس، وفي بعض المناطق يتم إرسال ما يُعرف (بالمناديب)، وفي أماكن أخرى يتم الإعلام عن طريق (المشاعيل)، حيث يتم إشعال النَّار فوق قمم الجبال؛ ليراها المتحرُّون لمعرفة رُؤية الهلال..
اليوم -الحمد لله- مع كلِّ هذه الطفرة الإعلاميَّة، لا نعلم -وحسب بالخبر- وإنَّما نتابع التَّرائي لحظةً بلحظةٍ..
*****
..وثانيتهما: التَّهاني والتَّبريكات..
مع الأسف، زمننا هذا أفقدنا الكثير من الحميميَّة، والدفء التي كنَّا نتناقل فيها تهانينا.
كنا نتواصل بالزِّيارات، وفي أضعف الأحوال بالاتِّصالات.
اليوم -مع الأسف- تثاقلت خُطَانا، وغابت وجوهُنا عن بعضنا، وانقطعت أصواتُنا، وأصبح البديلُ رسائلَ محنَّطةً باهتةً، لا إحساس فيها، ولا عاطفة.
ومؤلمٌ جدًّا أنْ يكون أقاربنا، وذوو رحمنا معنا في نفس المدينة، وتكون تهانينا لهم مجرَّد رسائل جوفاء..!
*****
.. وثالثتها: ظلال رمضان..
رمضان ليس مجرد طقوس، ولكنه سلوك وتهذيب نفوس.. من الجميل أن نرى تلك المقاطع التي تحث على روحانية الشهر من صيام، وقيام، وتلاوة قرآن، لكن من الجميل -أيضاً- أن يصاحبها خلق كريم، وسلوك قويم، يتجسد في كل أقوالنا وأفعالنا.
ولا شكَّ أنَّ الوصيَّة النبويَّة في (إِنِّي امْرؤٌ صَائمٌ) تختزلُ كل تلك المعاني النَّبيلة، فدعونا نتمثَّلها في حياتنا، ونحرص عليها كما نحرص على باقي عباداتنا.


