Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. ساري بن محمد الزهراني

فاصلتان منقوطتان

سديم

A A
الأُولى..

* لم تخلق اللغة إلَّا للتعبير، فإذا ما عجزت اللغة، وهذا محال؛ فإنَّ المشكل يعود إلى الكاتب لا إلى اللغة؛ ففي اللغة، -أيِّ لغة- ما يُسمَّى بـ»ملء فراغ»، وهذا هو دور القارئ، لا دور الكاتب، ولكنَّك مع هذا فقد تُعجب بالكاتب لصفة تأنسها في نفسه وعقله، ثمَّ تُعجب بأسلوبه؛ لأنَّه وسيلة إلى إبراز تلك الصِّفة في الصُّورة التي تُوائمها، فإذا سُئلت أنْ تفصل ما بين الكاتب وكتابته -في تقديرك- لم تدرِ كيف تفصل بينهما؛ لأنَّك تحسُّ حينئذٍ أنَّ كتابته جزء منه، وعضو من أعضائه؛ بل هي ألصق به من جميع أعضائه وجوارحه؛ لأنَّها خلاصة حياته، وزبدة نفسه وعقله، وتاريخ خلايا جسمه وروحه.

* فمَن عجز عن البوح بما يختلجه، فهو عاجز عن الكتابة، ومَن عجز عن الكتابة، فعليه الانسحاب من هذا المضمار، فبعض الكتابات سوءات في حق الكلمة، وحق اللغة.

الثَّانية..

* يقول أندريه موروا: «كلُّ ما يتَّفق مع ميولنا ورغباتنا الخاصَّة يبدو معقولًا في أعيننا، أمَّا ما يناقض رغباتنا؛ فإنَّه يشعلنا غضبًا. فهل من المستغرب، والحالة هذه، أنْ يصعب علينا الوصول إلى حل مشكلاتنا؟ أَوَلَيس نسخر مِن الذي يحل مسألة حسابيَّة بسيطة، مفترضًا أنَّ اثنين زائد اثنين يساوي خمسة؟!

ومع ذلك؛ فإنَّ كثيرًا من النَّاس يجعلون حياتهم سعيرًا، بإصرارهم على أنَّ مجموع اثنين واثنين هو خمسة، وربَّما خمسون؟!

فما العلاج؟ العلاج أنْ نفصل بين عاطفتنا وتفكيرنا، وأنْ نستخلص الحقائق بطريقة محايدة.

وحول هذا المعنى يقول ديل كانيجي: «إنَّنا قلَّما نُعنى بالحقائق، وإذا حدث أنْ حاول أحدنا استخلاص الحقائق؛ فإنَّه يتصيَّد منها ما يعضِّد الفكرة الرَّاسخة في ذهنه، ولا يبالي بما يناقضها، أي أنَّه يسعى إلى الحقائق التي تسوِّغ عمله، وتتَّسق مع أمانيه، وتتَّفق مع الحلول السطحيَّة التي يرتجلها».

وكأنِّي بكانيجي يسرق معنى شاعرنا العربيِّ حيث قال:

وَعَينُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ

وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبدِي المَسَاوِيَا

* في ازدحام الأيام، ستتلاشى الأصوات الصَّارخة، والانفعالات الجامحة؛ ولكنَّ الفكرة، وإنْ بدت حروفها لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، سرعان ما تُبعث من جديد، فتستحيل إلى فعلٍ ممارَسٍ.

وبجهل وقلَّة كياسة، في كثير من الأحوال، نعوِّل على عواطفنا في تصحيح المعوَّج من الأقوال والأفعال، وننسى، أو نتناسى أنَّ للفكر عمله الخلاَّق في بناء العقول، وتقويم الأفهام، وتهذيب السلوك.. فهل يعي البعض خطر الأفكار، ونعي -أيضًا- خطر التَّلاعب بعواطف النَّاس، واستدراج مشاعرهم؟!

أخطاؤنا أكثر من أنْ تُحصى، وتزداد تلك الأخطاء حين ننكرها، والإقرار بها، وتحمُّل تبعاتها!!

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store