Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

لدواعي التصوير والغبقة

A A
شهرُ رمضانَ كريمٌ وجميلٌ بكلِّ العبادات والعادات والمسلسلات، حتَّى صلاة الجماعة كما يقول د. عبدالوهاب المسيري: (فالصَّلاةُ ليست مجرَّد اجتماعِ النَّاس لأداء الصَّلاة في جماعةٍ، ولكنَّها -أيضًا- مناسبةٌ لتنمية العلاقات الشخصيَّة المباشرة، وبهذا الاعتبار تكون الصَّلاة ضد الفرديَّة والسلبيَّة والانعزال، فإذا كانت الحياة تُفرِّق النَّاس، فإنَّ المسجدَ يجمعُهم ويربطُ بينهُم).

ومن عاداتنا في رمضان، ازدياد جمعات الأهل والأحباب على الإفطار أو السحور، لذلك تُجهَد النَّساء لتوفير كلِّ احتياجات الوجبات، كذلك تجديد الأواني والمفارش، وشراء النواقص؛ ليتسنَّى لهنَّ استقبال ضيوف رمضان بشكلٍ لائقٍ وجميلٍ، لم يكنْ أحدٌ يجرؤ على تصويرِ مائدة الطَّعام، أو تصوير الضيوف، خلال وجودهم، أو دخولهم المنزل، أو خروجهم منه، مع الحرص على الحفاوة في الاستقبال والتَّوديع.

الآن، ماذا يحدث يا قوم؟!.

أشاهدُ على قنوات التَّواصل تباهي الدَّاعين بالموائد الفاخرة، التي يُعِدُّونَها خلال دعوات الإفطار أو السحور، كذلك المبالغة في تزيين الموائد، والمنازل حدَّ الاستعانة بشركات التنظيم، وكأنَّهم يقيمُون حفل زفاف، وليست دعوة الأصدقاء والأحبَّة على مائدة رمضانيَّة مكلَّلة بالروحانيَّة والطِّيب والبخور، الذي اعتدنا عليه في رمضانَ.

حتَّى الأزياء النسائية، استعراضٌ غريبٌ وتباهٍ لا يتوافقُ مع روحانيَّة الشهر الفضيل.

أتساءلُ -أيضًا- عن بعض المفردات التي لا تنتمي لمجتمعنا واستيرادها، لكنْ بشكلٍ مبالغٍ، مثل مفردة «غبقة»، وهي تراثٌ شعبيٌّ كويتيٌّ، يتمُّ خلاله دعوة الأصدقاء بعد صلاة التَّراويح، كما يتم تقديم أطعمة شعبيَّة بسيطة، دون زينةٍ، ودون مباهاةٍ.

لا أنتقدُ استقدامَ عادةٍ، أو مُسمَّى من دول الخليج، أشقائنا وأحبَّتنا، ولا حتَّى استيراد عادةٍ قيِّمةٍ وجميلةٍ، ولكنْ تشويه ما نستورده بالمبالغة والمباهاة،÷ هو هذا الذي يجعلُ النَّفس تنفرُ من انتشار مثل هذه المسمَّيات والعادات.

كلُّ الأمم -منذ القِدم- تأخذُ من بعضها بعضًا، لذلك تجد كثيرًا من العادات منتشرة في معظم الدول العربيَّة، كذلك الدول الخليجيَّة، كثيرة هي العادات المشتركة، فليس غريبًا، ولا شاذًّا استخدام مُسمَّى، أو مصطلح من الجوار، لكن الغريب انتشاره بشكلٍ مستفزٍّ، كما يحدث لعادة «الغبقة».

اعتدنا في مجتمعنا السعودي على امتداده، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، على كرم الضيافة، وعلى اجتماع الأهل والأحبة في شهر رمضان على السحور، أو الإفطار بمحبة، دون ضجيج التصوير، وضجيج المبالغة في الفخامة والمباهاة، صحيح لكل زمان معطياته ومتطلباته، لكن ما يزيد عن حدِّه، هو هذا الغريب والمستهجن!. لا أظنُّ من جهدٍ ببذل الغالي والنَّفيس لمدِّ مائدة بتلك الصُّورة الخياليَّة، كان هدفه إكرام ضيوفه، بل الإعلان عن نفسه، من خلال تصوير كلِّ شيءٍ، حتَّى دخول ضيوفه وخروجهم.

الصُّورة هي المتحكِّم في الدَّوافع للأسف!.

حتَّى عندما يجتمع البعض في مطعم، أو يلبُّون دعوة، تجدهُم صوَّرُوا كلَّ ما يُقدَّم لهم، صوَّرُوا مائدة الطعام في منزلك -دون إذنك- لنشرها قصصًا على صفحاتِهِم.

أحيانًا ترغبُ في مدِّ يدك إلى الطَّبق أمامك، وأنت تُسمِّي بالرَّحمن في سرِّك، تجد مَن يستوقفك صارخًا: «انتظر» ليلتقطَ صورةَ الطَّبق!.

لماذا أصبحتِ الصُّورة محور حياتنا؟.

لماذا لم يَعُد الخروج إلَّا وسيلةً لالتقاط المزيد من الصُّور؟.

لماذا لم تَعُد دعوات السُّحور والفطور رائجةً بين الأهل والأحبَّة؟ هل لأنَّها أصبحت مكلِّفة بشكلٍ لم يَعُد يُطاق؛ ولأنَّ الدَّاعي يخشى من التقاط صور منزله البسيط، ومائدته التي أعدَّها بقلبه ومحبته وجهده، دون استعانة بشركة تنظيم، أو في فندق خمس نجوم؟.

نحنُ نصعِّب الحياة، الحياة سهلةٌ وبسيطةٌ، عندما نجتمع صديقات من نفس الجيل، نستعيد ذكريات جيل أمهاتنا، اللاتي كُنَّ يتزاورنَ مع الجارات والصديقات على البساطة، القهوة والشاي وعلبة البسكوت، وسط جلستهم، دون تكلفة، ودون عناءٍ.

في رمضانَ، كانت ربَّةُ المنزل تعملُ حسابَ مَن يطرق الباب في المغرب، ويكون ضيفًا على مائدتهم بكلِّ ترحاب.

منذ سنوات أصبحت الدَّعوات مكلِّفةً ومرهقةً، والآن بعد هذه الغبقات المبهرجة، ربما ستتقلَّص الدَّعوات على السُّحور والفطور، كل هذا يحدث؛ لأنَّ حياتنا أصبحت تحتَ كاميرا المحمول، كلُّ مَن يأتي إليكَ ينقلُ شيئًا منك إلى الآخرِين، حتَّى دون استئذانٍ، وكأنَّهم في مضمار سباق، كلُّ بني آدم يريدُ أنْ يحشدَ المزيدَ من القصص والصُّور على صفحاتِهِ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store