تُعدُّ العائلةُ اللَّبنة الأساسيَّة في بناء المجتمع، ومتى ما اضطربت العلاقاتُ داخلها، تخلخلت منظومة الاستقرار النفسيِّ والاجتماعيِّ لأفرادها، بل وربما امتدَّت آثار ذلك إلى المجتمع بأسره، فالاضطرابات العائليَّة هي تلك الخلافات، أو النزاعات، أو المشكلات المزمنة التي تنشأ بين أفراد الأسرة الواحدة، سواء كانت بين الزَّوجين، أو بين الآباء والأبناء، أو بين الإخوة، أو مع أحد أطراف العائلة المتباعدين، وقد تتنوَّع أسبابها، وتتشعَّب آثارها لتشمل مختلف جوانب الحياة.
ومن أبرز أسباب الاضطرابات العائليَّة، قلَّة وجود الاحترام بين أفراد العائلة، وزرعه بين الأبناء الصِّغار والكِبار، وضعف التواصل بين الأفراد، حيث يغيب الحوار البنَّاء، وتُستبدل بالكلمات الصمت، أو الصراخ والاتِّهامات، كذلك تُعدُّ المشكلات الاقتصاديَّة، وأهمها المال وملحقاته، سببًا رئيسًا في كثير من الخلافات، وتشير دراسة صادرة عن المركز العربيِّ للدراسات الاجتماعيَّة عام 2022، إلى أنَّ 42% من النزاعات الأسريَّة في المنطقة العربيَّة تعود لأسباب ماليَّة مباشرة، فحين تضيق الموارد وتزداد الضغوط، تتوتر الأعصاب، وتنفجر النزاعات، ومن العوامل الأُخْرى المهمَّة، الاختلاف في طرق التربيَّة، وعدم التفاهم حول المسؤوليَّات، وتدخُّل الأهل أو الأقارب بشكل سلبيٍّ، إضافة إلى مشكلات الإدمان، أو العنف والنزاع الأسريِّ حول الإرث، أو توزيع الثروات في العائلة.
أمَّا عن أبرز آثار الاضطرابات العائليَّة، فهي لا تُحصر في مجرد لحظات الغضب، أو التوتر داخل المنزل، بل تتجاوز ذلك إلى أضرارٍ نفسيَّة عميقة، قد تُصيب الأطفال واليافعين بشكلٍ خاصٍّ، مثل انعدام الأمان العاطفيِّ، وضعف الثقة بالنَّفس، والميل إلى العزلة أو التمرُّد، بل وحتَّى تعثرهم في الدراسة، أو الانخراط في سلوكيَّات غير سويَّة، وحتَّى الكبار كذلك لا ينجُون من التأثُّر، حيث تتأثر الصحَّة النفسيَّة، ويزداد الشعور بالإحباط، وقد يصل الأمر إلى الطلاق، أو القطيعة الطويلة بين أفراد الأسرة الواحدة، فقد أظهرت دراسة نُشرت في «المجلة الدوليَّة للصحَّة النفسيَّة الأسريَّة» عام 2023، أنَّ نسبة القلق والاكتئاب بين المراهقِينَ القادمِينَ من أسر مضطربة تفوق بـ60% عن أولئك القادمين من بيئات مستقرَّة.
ولحل الاضطرابات العائلية، لابد من الاعتراف أولا بوجود المشكلة، فالتجاهل أو الكبت لا يؤدي إلا إلى تفاقمها، بعد ذلك، يأتي دور التواصل الصادق والهادئ، حيث ينبغي لكل فرد أن يستمع للآخر بتفهم دون إطلاق أحكام مسبقة، من المفيد كذلك الاستعانة بمختصين في الإرشاد الأسري، أو العلاج النفسي الأسري، فهم يمتلكون أدوات وتقنيات تساعد على تحليل جذور المشكلات، وتقديم حلول عملية، فقد أظهرت بعضُ الإحصاءات أنَّ العائلات التي خضعت لـ(6) جلسات استشاريَّة -على الأقل- سجَّلت تحسُّنًا بنسبة 75% في جودة العلاقات.
هناك دورٌ مهمٌّ للقيم الدِّينيَّة والرُّوحيَّة في التماسك الأسريِّ، فالتسامح، والرَّحمة، والحوار، والصبر، كلها قِيَم تُسهم في بناء جسور المحبَّة داخل الأسرة، وتبقى التفاصيل الصغيرة، كوجبةٍ مشتركةٍ، أو نزهة عائليَّةٍ، كفيلةٍ بإحياء الألفة، فالاضطرابات العائليَّة ليست نهاية، بل بداية جديدة لإعادة التوازن؛ ولأنَّ في النهاية العائلة ليست فقط مَن نُولد معهم، بل مَن نختار أنْ نبني معهم السَّلام كلَّ يومٍ.


