Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

ما لا تستطيع كسبه بالود.. حجِّمه بالحكمة!

A A
في بيئات العمل، ليس بالضرورةِ أنْ يكون التميُّز نعمةً، ومدعاةً للإعجاب.. بل أحيانًا يصبحُ النجاحُ نقمةً تجرُّ على صاحبها العديدَ من المشكلات، خصوصًا حين يصطدمُ بزملاء تتملَّكهم الغيرةُ، فتتحوَّل مشاعرهم شيئًا فشيئًا من ضيقٍ خفيٍّ، إلى استياءٍ شبهِ ظاهرٍ، ثمَّ حسدٍ مُقنَّعٍ، وصولًا إلى نصبِ المكائدِ، وتمنِّي الزلَّل والسُّقوط.. هذه طبيعة البشر، التي يجب أنْ لا نغضبُ كثيرًا منها، ولاسيَّما في البيئات التنافسيَّة، التي يختلط فيها الطُّموح بالغيرةِ، وتتقاطعُ فيها النجاحات الشخصيَّة مع حساسيات التنافس والأطماع!.

لكن، وقبلَ أنْ تلبسَ خوذتكَ، وتعلنَ الحربَ على أحدِهم، عليكَ أنْ تتحقَّق أوَّلًا من صحَّة افتراضاتكَ، فليست كلُّ نظرة معناهَا (حسدًا)، ولا كلُّ حركةٍ تعني ضغينةً، وكثيرًا ما نُحمِّل المواقف أكثر ممَّا تحتمل، ونتسرَّع في الحُكم على النوايا، فنحوِّل زميلًا مسالمًا إلى عدوٍّ متوهَّمٍ، دونَ أسباب حقيقيَّة.

إنْ تأكَّدتَ أنَّ هناك فعلًا مَن يزعجُه صعودكَ، فعليكَ أوَّلًا أنْ تفهمَ أسبابَ غيرته وانزعاجه، هل هي ترقِّيكَ في العمل، وإشادة الجميع بكَ؟ أم هُو شعورُه بالظُّلمِ والتَّهميشِ؟، الفهم هنا لا يعنِي التبريرَ له بالطَّبع، لكنَّه يمنحكَ حتمًا نظرةً أوسعَ لكيفيَّة التعامل الصَّحيح والنَّاضج معه.

من المهمِّ -أيضًا- قبل اتِّخاذ أيِّ تصرُّف، أنْ تحلِّل آليَّات القِوى غير الظَّاهرة في بيئة عملكَ، مَن ضدكَ فعلًا؟ ومَن يحرِّك الخيوطَ من خلفِ الستار؟ فأحيانًا لا تصدرُ الغيرةُ ممَّن يظهرُونَ في الصورةِ، بل ممَّن يحرّضُونَهم في الخفاءِ، ولا تنسَ أنْ تعرفَ حلفاءكَ، أولئك الذين يذكرُونَك بخيرٍ في غيابكَ، ويدفعُون عنكَ الضَّرر دونَ أن تطلبَ، فهؤلاء رصيدٌ لا يُقدَّر بثمن في بيئة قد يتحوَّل فيها كلُّ نجاح إلى اختبارٍ.

(ما لمْ تستطعْ كسبَه بالودِّ، عليكَ أنْ تُحجِّمهُ بالحكمةِ)، شعارٌ مهمٌّ، وإستراتيجيَّةُ تعاملٍ يجبُ مراعاتها للتَّعامل الصَّحيح معَ مَن بقي معكَ في المنخلِ، والحكمةُ هنا تتلخَّص في الإستراتيجيَّات التَّالية:

- لا تردَّ بالمثلِ ولا تنجرَّ لمنافساتٍ سلبيَّة، أو الردِّ بعدوانيَّةٍ؛ لأنَّ ذلك قد يعطيه مبرِّرًا للاستمرار، وقد يدخلكَ في معاركَ في غير أوانها.

- اظهرِ التعاطفَ دون تنازل: حاول إشعارَه أنَّ نجاحكَ لا يهدِّده، وأنَّكَ تؤمنُ بالنجاحِ الجماعيِّ، لكنْ دونَ أنْ تقلِّل من إنجازاتكَ لإرضائِهِ.

- احمِ نفسكَ مهنيًّا: وثِّقْ كلَّ ما يتعلَّق بعملكَ، وكُن حريصًا على التَّعامل الرسميِّ في المسائل الجوهريَّة.

- قلِّل الاحتكاكَ غير الضروريِّ: لا تبتعدْ كليًّا، لكنْ اجعل تواصلكَ معه مهنيًّا وضروريًّا فقط.

- ركِّز على أهدافكَ: ولا تسمحْ لتصرُّفات الآخرِينَ أنْ تُشتِّتكَ، فالنجاحُ الحقيقيُّ هو أنْ تحافظَ على مساركَ دونَ أن تُستدرجَ لمعاركَ جانبيَّةٍ.

في النهاية، عليك أنْ تعلمَ أنَّ الغيرةَ ليست مشكلتكَ، بل هي ضعفٌ في قدراتِ الطَّرف الآخرِ، لكنَّ طريقة تعاملكَ معهَا قد تحدِّد شكل نجاحكَ، فالنجاحُ لا يُقاسُ بما تحقِّقه من أرقامٍ فقط، بل بكيفيَّة صمودكَ أمامَ العواصفِ التي قد تُثار في طريقكَ، والمتميِّزُ الحقيقيُّ هو مَن يعرفُ كيف يتقدَّم، دونَ أنْ يظلمَ أحدًا، ولا أنْ يَفْقِدَ نفسَهُ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store