إنَّ المال؛ اختبارٌ للنفوس، حيث يُعدُّ موضوع الورثة من أكثر القضايا حساسيَّة في المجتمعات؛ لأنَّه لا يتعلَّق فقط بالأموال والممتلكات، بل يكشف -في كثير من الأحيان- عن مكنونات النفوس، وخفايا العلاقات العائليَّة المعقَّدة، فعند وفاة الإنسان، يُفتح باب التركة، ويتحوَّل إرث المتوفَّى من وسيلة للخير والبرِّ، إلى ساحة اختبارٍ لقِيَم الرحمة والعدل والتسامح.
ولعلَّ الجانب الشرعيَّ لتوزيع التركة في الشريعة الإسلاميَّة واضحٌ، وقد تمَّ تحديد الورثة بدقَّة ووضوح في القرآن الكريم، والسُّنَّة النبويَّة؛ لتجنُّب الظلم والتعدِّي، وهذا النظام يضمن توزيعًا عادلًا ومتوازنًا، يأخذ في الاعتبار العلاقات الأسريَّة والاحتياجات المختلفة للأطراف، والورثة الشرعيون يُصنَّفون ضمن ثلاث فئات، هم أصحاب الفروض كالزَّوجة، الأم، الأب، والزَّوج، والعَصَبَات كالابن والأخ، وذوو الأرحام كابن العم والخالة، إذا لم يوجد أحد من الفئتين السابقتين.
ورغم وضوح الأحكام الشرعيَّة والفقهيَّة، إلَّا أنَّ كثيرًا من الأسر تقع في نزاعات بعد وفاة أحد أفرادها، وتبدأ الخلافات غالبًا من تأجيل تقسيم التركة، أو التصرُّف في الممتلكات دون إذن الورثة، أو تفضيل طرف على آخر، وقد يصل الأمر إلى المحاكم؛ ممَّا يسبِّب شقاقًا دائمًا بين الإخوة، أو حتى القطيعة التامة، ومن المؤسف أنَّ القيم التي كانت تجمع العائلة في حياة المورِّث، تتبدد فجأة، وتتحوَّل التركة من نعمةٍ إلى نقمةٍ، ومن وسيلة استمرار للخير، إلى سبب للعداوة والقطيعة في العائلة.
الإرث لا يختبر فقط أخلاق الأفراد، بل يفضح طبيعة العلاقات العائليَّة، بدءًا من التربية والتنشئة والمؤاخاة بين أفرادها، فكثيرًا ما تُظهر لحظة تقسيم الإرث، مَن كان يتظاهر بالحب والولاء، ومَن كان يحمل الحسد والطمع في قلبه، فتجد مَن يُطالب بحقِّه بشراسة، ومَن يرضى بالقليل؛ حرصًا على سلام العائلة، ومَن يُخفي وثائق، أو يتصرَّف في عقار دون وجه حق، هذه الاختبارات النفسيَّة تكشف -أيضًا- عن الفجوة بين القيم النظريَّة والتطبيق الفعليِّ للأخلاق، فمن المؤسف أن نرى بعض الورثة يتنازلون عن روابط الدم؛ لأجل حفنة من المال، في حين أنَّ الأصل في الميراث أنْ يكون وسيلة للتراحم والتعاون والترابط الدائم.
وللتقليل من حدة النزاعات على الإرث، من المهم جداً أن يحرص ويعي المورث، ماذا سوف يترك لعائلته؟ هل فقط يركز على المال، ويظن أنه هو فقط مصدر لسعادتهم؟ أم يترك لهم السمعة والسيرة الحسنة؟ أم يركز على الترابط والجمع العائلي؟، وأعتقد أن النماذج كلها موجودة في حياتنا، وهناك من يجمعها كلها في حياته، أو حتى من بعد وفاته، والأغلب يركز على المال فقط! ويترك البقية، لنجد العديد من الصراعات المختلفة تظهر، وتكتشف معها أخطاء البدايات في تأسيس العوائل.
لذلك، من المهم نشر ثقافة الحوار الأسريِّ المسبق حول القضايا الماليَّة، فالصراحة لا تعني قلَّة الوفاء، بل قد تمنع مشكلات مستقبليَّة لا تُحمد عقباها، فالورثة ليسوا فقط مَن يرثون المال، بل هم ورثة القيم والرحمة أيضًا، فالمال قد يذهب، ولكن العلاقات والروابط تبقى، وما يُكتب في صحيفة الإنسان ليس حجم التركة التي خلَّفها، بل أثره في النفوس، وطريقة تقسيمه لما ترك من خيرات، فليكن الميراث فرصة لتطبيق العدل، وتجديد المودَّة، لا لخلق الصراعات وتفكيك الروابط، فما الدنيا إلَّا ممر، وما المال إلَّا اختبار، ومَن أفلح فيه كان من الرابحين في الدنيا والآخرة، أنت المسؤول الوحيد عن إرثك في الدنيا قبل وبعد وفاتك، والله أعلم.


