السجيَّة، هي الطبيعة والخلق، والجمع سجايا، وعندما يكون المرء على سجيَّته، يكون تلقائيًّا وعفويًّا.
كم يكون الإنسان جميلًا آسرًا، عندما يتصرَّف على سجيَّته، يلقي أفكاره على شفتيه، كلمات بسيطة، لا يجهد نفسه في انتقائها وفرزها.
عندما يتحدَّث الإنسان على سجيَّته، يأسرك حديثه، يشدُّك بتلقائيَّته، وتدفُّق كلماته وأفكاره، وبساطتها.
أجمل الشعر الذي يتدفَّق في دفقة شعوريَّة واحدة، كذلك المقالة، تخرج دفقة واحدة، ثم بعد ذلك يتم تشذيبها.
حتَّى الفن المسرحي يبهر الجمهور، عندما يتمكَّن الفنان من إلقاء عبارة خارجة عن النَّص؛ هي التي تملأ المسرح ضحكات؛ لأنَّها خرجت دون افتعال، بل بتلقائيَّة أو على السجيَّة، فالحديث المصطنع لا تُفتح له أبواب القلوب، بل يمرُّ ثقيلًا على السمع.
في مجال الفن أيضًا، تلعب الموهبة دورًا مهمًّا، والفن المسرحي أخطر الفنون؛ لأنَّه ليس كل فنان يمكن أنْ يصبح نجمًا مسرحيًّا كوميديًّا، لذلك عندما أشاهد أحدهم يقف أمام الجمهور، فيما يُعرف «استاند أب كوميدي»، ويحاول أنْ يضحك الجمهور من خلال سرد نص محفوظ، يحتوي على مواقف وعبارات كوميديَّة، لكنَّه لا يمتلك الموهبة، والقدرة على صناعة الموقف، أو الحدث، أو التدفُّق التلقائيِّ الذي يطرق السمع والقلب، ويستخرج الضحك بسلاسة، فهو كطالبٍ يسمِّعُ نصًّا!.
لكنَّ الجمهور يحاول أنْ يضحك؛ لأنَّه حضر إلى المسرح من أجل الضحك، ضحكات الجمهور تشعر أنَّها مصطنعة، وليست من القلب، ذلك الجمهور لن يكرِّر التجربة مرَّة أُخْرى!.
كان نيتشه، «فريدريك فيلهيلم نيتشه»، فيلسوف ألماني، ناقد ثقافي، شاعر وملحن ولغوي»، يحمل على موسيقى ريتشارد فاغنر «مؤلِّف موسيقي وكاتب مسرحي ألماني»، حملة عنيفة؛ لأنَّها كانت تُسبِّب له إجهادًا ذهنيًّا يستهلك طاقته الذهنيَّة التي هو أحوج إليها؛ لأنَّه كان يحتاج إلى موسيقى خفيفة راقصة، تساعده على التفكير، وتُهدِّئ من رَوْع توتره، لذلك قال: «كل ما هو خفيف جيد». كان «نيتشه» يريد في الموسيقى شيئًا يمكن «تصفيره».
عندما تبذل جهدا في كتابة كلمتك أو ورقتك، وتبذل جهدا مضاعفا في ترتيب الأفكار، وانتقاء الكلمات، وصفها وتنميقها، ثم تكتشف عند إلقائها أنها تحولت إلى مكعبات ثلجية أحدثت صداعا في رؤوس المتلقين، بينما تجد نفسك أحيانا أخرى تتحدث على سجيتك، وتعبر عن مكنون نفسك بصدق وشفافية، يدهشك التفاف الجميع حولك إعجابا؛ لأن الكلمات تدفقت من القلب إلى قلوب الحضور.
بعض الشعراء ينشدون الكمال، فتجده يعمل على القصيدة التي خرجت دفقةً واحدةً بالتعديل، والحذف، والإضافة، حتَّى يجد بين يديه قصيدةً أُخْرى غير التي تدفَّقت على السجيَّة.
ربما، لذلك تجد شاعرًا قريبًا من القلوب، لا يرهق قصائده بالحذف، والإضافة، بل يمر عليها، يصلح قليلًا من ارتباك الدفقة الأولى.
الدفقة الأولى من المشاعر والأفكار والكلمات أصدق وأجمل، ربما لذلك تكثر الدعوة إلى العودة إلى الطبيعة، ليس فقط ما يخرج من الأرض، بل ما يخرج من العقل والقلب، المشاعر والكلمات، لتصح العلاقات، وتُشفَى النفوس من تعقيد التصنُّع والظهور على غير طبيعة الإنسان.
يقول اختصاصيو التغذية، إنَّ تدخُّل الإنسان في منتجات الأرض أضرَّ بها، أفقدها خصائصها، وأضاف إليها مظهرًا خلَّابًا، وطعمًا مفتونًا باللَّذة، لكنَّها أصبحت خطرًا على الصحَّة.
لكل نوع من الفنون والآداب صناعة، والتسويق هو الهدف، بعد أنْ أصبح كل شيء قابلًا للتسويق، حتَّى الإنسان يُسوِّق نفسه بشتَّى الطرق، فقد يتشقلب، أو يتعرَّى، أو يستعرض كل ما حوله، حتَّى جسده، مع أنَّ الموهبة هي الأساس، لكن مكنة التصنيع، وعاهة التصنُّع تدخَّلا في الطبيعة الإنسانيَّة، والطبيعة البيئيَّة، فلم يعد الإنسان على السجيَّة صالحًا لهذا الزَّمن الذي أصبح فيه الذكاء اصطناعيًّا، والكل يهرع إليه يقتفي أثره، ينهل من علمه وفنِّه ومهاراته.
تمسُّك الإنسان بطبيعته وسجيَّته، تنمية موهبته ومهارته -في اعتقادي- هو الذي يبقى، يذهب الزَّيف ويبقى الأصل، «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ» (الرعد: 17).


