كانت أوّل مرّة في حياتي أفْقَهُ فيها معنى رطوبة الجوّ حين كُنتُ طفلاً صغيراً قد نزل من مدينة الطائف بِصُحْبُةِ أشقّائه الأكبر منه لشُرْب الشيشة في مقاهي جدّة المكشوفة في الهواء الطلْق.
وكانت كراسي المقاهي كرويتات حجازية عريقة وتراثية وجميلة، وكم يؤسفني أنّها غابت عن المشهد السعودي للأثاث والديكور، وليتها لم تَغِبْ.
وعندما حلّ منتصف الليل غلبني النُّعاس، فنِمْتُ على إحدى الكرويتات مُحتضِناً وسادة قديمة وقذرة وفّرها لي عامل المقهى اليمني الجنسية، ثمّ أيقظني أشقّائي قُبيْل الفجر للعودة إلى ديارنا في الطائف، فلاحظْتُ أنّ الوسادة مُبلّلة كثيراً، وكأنّهم أيقظوني برشّ الماء عليّ وعليها، فسألتهم عن ذلك فأجابوني أنّها رطوبة الجوّ، وعرّفوها لي بقدر استيعابي الذهني للأمور آنذاك أنّها جزيئات من الماء متناثرة في الجوّ بسبب قُرْب البحر من جدّة!.
وكُنتُ في الطائف الأبرد والأقلّ رطوبةً من جدّة أنظر لأهل جدّة كما ينظر أهل الإسكيمو الباردة لأهل الصحاري العربية الساخنة، وعندما توظّفْتُ في جدّة عرفْتُ المعنى الحقيقي لهذه الرطوبة خصوصاً عند اقترانها بحرارة الصيف الذي توغّلْنا فيه الآن، وعساه يكون توغّلاً رفيقاً بنا وليس فيه تعباً ولا رهقاً.
ورطوبة جدّة يمكن تسميتها بأنفاس البحر الثقيلة، ونسبتها تتراوح بين ٦٠٪ إلى ٨٠٪ في الصيف، وقد تصل إلى ٩٠٪ أحياناً فيرى السُكّان زجاج نوافذ سيّاراتهم وكأنّها مُصابة بمياه العيون البيضاء، وتقلّ في الشتاء لكنّها لا تختفي، وهي تؤثّر على الصحة بزيادة الإحساس بالحرارة، والتعرّق المُفرط الذي يجب تعويضه بشُرْب الكثير من المياه، وتزيد من أعراض الربو والحساسية لأنّ الهواء الرطب يُبْقِي الغبار والعفونة في الجوّ، وهناك من الناس من يُصابون بالطفح الجلدي ونموّ الفطريات والإرهاق الحراري.
أمّا تأثير رطوبة جدّة على الأجهزة فحدّث ولا حرج كما هو الحال مع الحديث عن بني إسرائيل الذي افتروا على الفلسطينيين والعرب، فتتعطّل دوائر الأجهزة الإلكترونية وتتآكل بسبب تكاثف البُخار داخلها، وتعمل المُكيِّفات بجُهْد أكبر لتبريد الهواء الرطب، وتقلّ جودة التبريد، وتُستهلك الكهرباء أكثر فتزيد تكلفتها بنسبة لا تقلّ عن الضِعْف، وربّما ضِعْفيْن أو ثلاثة!.
وبالمناسبة: أهيب بشركة الكهرباء المُوقّرة أن ترفق بحال أهل جدّة والمناطق ذات الأجواء المُشابهة لها بألّا تنقطع الكهرباء، فالحرارة مع الرطوبة مثل يأجوج ومأجوج، يُفسِدان ولا يُصلِحان، وهكذا تنصر الشركةُ الناس، والكهرباء ليس لها بديل، ولو نُمْذِجَت من كلّ النواحي لاستجودت الحياة.


