يظنُّ كثيرٌ من النَّاس أنَّ الظلمَ فعلٌ موجَّهٌ للآخرين فقط، وهو أنْ تسلب حقَّهم، أو أنْ تؤذيهم، أو أنْ تجور عليهم، ولكن يغيب عنهم أنَّ أخطر أنواع الظلم هو ظلم النَّفس، حين يكون الإنسان عدوًّا لنفسه، يسلبها حقَّها، يهينها، يحرمها الخير، ويدفعها إلى الهلاك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
ومعنى ظلم النَّفس، هو وضعها في غير موضعها الذي خلقها الله لأجله، وهو حرمانها من حقوقها التي أمر الله بحفظها، وتعريضها لما يفسدها ويهلكها في الدنيا والآخرة، وقد جاء في تعريف أهل العلم أنَّ ظلمَ النَّفس قد يكونُ في الشركِ باللهِ، وهو أعظمُ أنواعِ الظلمِ.. أو ظلم النَّفس بالمعاصِي والذنوب، إذْ تحطُّ من قدر النَّفس، وتورثها شقاءً.. أو بالتَّقصير في حقِّ النَّفس، كإهمالها جسديًّا، وعقليًّا، وروحيًّا، بالقنوط واليأس، حين يحكم الإنسان على نفسه بالهلاك، ويغلق أبواب الأمل.
ومن مظاهر ظلم النَّفس، ارتكاب الذنوب والمعاصي، كلَّما أصرَّ العبد على المعاصي، زادت ظلمات قلبه، واستوحشت نفسه، وهو يظنُّ أنَّه يُسعدها، وهو في الحقيقة يُبعدها عن النور والطمأنينة.. وكذلك الغفلة عن ذكر الله، فالنَّفس خُلقت لتكون عامرةً بذكر الله، فإذا أهملها العبد، وسلَّمها لغفلة الدنيا، صار في ظُلمٍ بيَّنٍ لها.. وأيضًا ظلم الجسد، ويكون ذلك في الإفراط في إتعاب البدن دون حق، أو إهماله وعدم رعايته.. ومن ظلم النَّفس أيضًا، تضييع الشخص لصحَّته بالسَّهر واللَّهو، أو التَّهاون في علاج نفسه، أو إرهاقها في غير طائل.. وأيضًا التحقير المستمر للنَّفس، فهناك مَن يُكثر لومَ نفسه فوق الحدِّ، فيعيش في جلدِ ذات دائمٍ.. وهناك مَن يُقارنها بالآخرين، فيُطفئ نورها الداخلي، فالنَّفس تحتاج إلى تربية متوازنة، لا إفراط في اللَّوم، ولا تفريط في الغرور.. وأخيرًا فقدان الأمل والقنوط، وهو من أخطر مظاهر ظلم النَّفس، بأنْ يحكم عليها العبد بأنَّها لا تستحق الرَّحمة، أو أنَّها هلكت، أو أنَّ طريق النجاة مقطوع.
لماذا نظلم أنفسنا؟، بسبب الجهل، إذْ كثيرون يجهلون حقيقة أنفسهم، ومكانتهم عند الله، وبسبب الهوى والانسياق وراء شهوات النَّفس حتى تهلك، وبسبب الشيطان، إذ يُزيِّن للعبد ما يفسد نفسه، ويقنعه أنَّه ينفعها، وأيضًا بسبب الصحبة السَّيئة، قرناء السوء، الذين يُشجِّعون على ظلم النَّفس. ولحماية أنفسنا من ظلمها؟ يجب أنْ نتسلَّح بالعلم، فكلَّما ازداد العبد علمًا بالله وبدينه، عرف قدر نفسه وحفظها.. وبالمجاهدة، فالنَّفس تحتاج إلى مجاهدة دائمة حتَّى لا تميل إلى الهوى، وبالتوازن، كما نطعم الجسد، يجب أنْ نغذِّي الروح، كما نرتاح، يجب أن نعمل، الحياة المتوازنة تحمي النَّفس من الهلاك.. وبالتوبة والاستغفار، كلَّما وقعت في ذنب، فلا تترك النَّفس في ظلامها، بادر إلى التوبة، فذلك حقُّها عليك.. وبحُسن الظنِّ بالله، فهو أعظم ما يرفع عن النَّفس ظلمها، هو حُسن الظنِّ بربِّها، وأنْ توقن أنَّ الله يغفر، وأنَّ رحمته أوسع من ذنبك.
ظلم النَّفس باب واسع، يبدأ بخطوة صغيرة، غفلة، معصية، يأس، إهمال، ثم يتراكم حتى يغدو الإنسان سجينًا داخل نفسه، فاختر لنفسك أنْ تكون صاحبها لا عدوَّها، وراعها كما تُحبُّ أنْ تُراعَى، واحفظها كما تُحبُّ أنْ تُحفَظ.


