لطالما بُشّرنا بأن التعليم هو السلاح الأنجع ضد الجهل والطائفية وتوابعها، وأن التمدن والوعي كفيلان بتذويب الهويات الضيقة، لصالح انتماء وطني أوسع وأرقى وأشمل.. لكنّ المشهد المتكرر في بعض بلدان شرقنا البائس يُكذّب هذا الحلم في كل مرة يوضع فيها تحت الاختبار ! .
فعند كل حدث جسيم، أو أزمة كبرى، تُزاح قشرة المدنية والتحضر، وينكشف المستور.. الولاء الطائفي عند البعض ما زال أقوى بكثير من الولاء الوطني، والانتماء العقدي ما زال يحكم خيارات بعض الناس قبل انتمائهم للدولة، بل حتى قبل ضمائرهم وإنسانيتهم!.
أجل.. ما إن يُقرع جرس الفتنة، حتى ترى نُخَبًا كنا نظنها متعلمة وعقلانية، تسقط سقوطًا مروعًا أمام عاطفتها الطائفية.. أشخاص بألقاب أكاديمية، وخلفيات فكرية نظنها ناضجة، ينقلبون فجأة إلى ما يُشبه «مشجعي كرة القدم»، يهتفون للطائفة، ينظرون للمشهد بعين واحدة، ويُقيِّمون الموقف بميزان أعوج، فقط لأنه «منّا» أو لأنه «عليهم».. وما بين الاصطفافات المذهبية، والتفسيرات المؤدلجة، تضيع الأوطان، وتتحول من مظلة تؤوي الجميع، إلى مجرد غنيمة تتقاسمها الطوائف.
هذه ليست مبالغة.. فالتجارب القريبة في بعض دول المنطقة تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الطائفية ليست مجرد ظاهرة (ريفية) أو (شعبوية)، بل هي عقلية متجذرة - حتى لا أقول سائدة - تسكن عظام بعض النخب التي ظننا أنها تجاوزتها منذ زمن!.. لا ننكر أن للطوائف جذورًا ثقافية وهويات تاريخية يجب الحفاظ عليها، لكن متى تحولت هذه الهويات إلى بنادق للقتل، أو جدران للتقوقع، فإنها تتحول إلى لعنة على أي وطن، فما فائدة أن تبني دولة، وفي داخلها جُزرٌ مذهبية لا تؤمن إلا بولائها الخاص؟!.
المدهش والمفزع أن كثيرًا من العقول المتعلمة تنظر للمشهد من خلال ثقب العقيدة، لا من نافذة المنطق، وتقرأ الواقع على ضوء كتبها القديمة المتوارثة لا على ضوء الحقائق العلمية؛ والعالم المتمدن، مثلها في هذا مثل العوام وغير المتعلمين، تُغلّب (نحن) الطائفية الضيقة؛ على (نحن) الوطنية الواسعة.. والمفارقة الأكثر دهشة أن الأوطان التي يقال أنها تأخرت في التعليم؛ نجحت في بناء مجتمعات تجاوزت المذهب، فسبقت غيرها في الاستقرار والتقدم، بينما تلك التي علّقت مصيرها على (التعليم وحده)، دون معالجة فكرية عميقة للطائفية، ظلت تدور في حلقة مفرغة من الشعارات الجوفاء والدماء.
شرقنا الغارق في ميثولوجيا الطوائف، لا يحتاج إلى مزيد من المدارس والجامعات؛ بقدر ما يحتاج إلى تعليم من نوع مختلف.. تعليم وطني، يقوم على الإقناع، تحميه دول قوية عادلة تعرف ماذا تريد.. وما لم تُجتث الطائفية من جذورها العميقة، سيظل العقل الشرق أوسطي يتعثر أمامها، مهما تدثّر بلغة التنوير.. والشهادات.. والوعي.


