أحيانًا يكون السفر ضرورةً علاجيَّةً، أو لدواعي الاستجمام، وكثيرًا للهرب من ارتفاع درجات الحرارة، لكن مهما طال بك المقام شرقًا أو غربًا، صيفًا أو شتاءً، لا بُدَّ أنَّ الحنين يستبد بك، خصوصًا إذا كانت الرحلة بدون أحبتك، أبنائك وأحفادك، زينة الحياة الدنيا، تفتقدهم في كلِّ موضع، وفي كلِّ موقع، في مناطق الجمال، وعندما تتكاثف السحب، وتهطل الأمطار تفتقدهم، وتتمنَّى لو أنَّهم جاءوا معك، أو أنَّك لم تفترق عنهم.
هذا الأسبوع الأخير الذي نمضيه في مصحَّات «ترنشيانسكي تيبليتسي» العلاجيَّة في سلوفاكيا.
يعود تاريخ المصحَّات العلاجيَّة في سلوفاكيا إلى قرونٍ عديدةٍ، حيث كانت تُعتبر وجهةً للعلاج والاسترخاء؛ بسبب ينابيعها الحراريَّة والطبيعيَّة، وقد أوردتُ في مقال الأسبوع الماضي في هذه المساحة «السياحة العلاجيَّة» حكاية، أو أسطورة الرَّاعي الأعرج، والخروف الضَّال، لذلك يمثِّل الخروف رمز مدينة «ترنشيانسكي تيبليتسي»، صورة الخروف موجودة على كلِّ المحلات والأكشاك.
يبدو أنَّ لكل مدينة حكاية، أو أسطورة ربَّما ترويجيَّة لا أكثر، لكنَّها تُعتمد كشعار للمدينة.
في مدينة بيشتاني يعلو مدخلَ فندق ترميا بلس العلاجي، نقشٌ فسيفسائيٌّ لطاووس، هو أيضًا له حكاية تقول: إنَّ طاووسًا مرض مرضًا شديدًا، نتيجة البرد القارس، فقادته العناية الإلهيَّة إلى حفرة مليئة بالماء الساخن الكبريتي والطين، وألقى بنفسه فيها، وتمرَّغ في الطين، وعاود ذلك عدَّة مرَّات حتى شُفِيَ. لاحظ الناس ذلك، فكانوا كلَّما مرض أحدهم يضعونه في هذه الحفرة يوميًّا حتى يتم شفاؤه، من هنا نشأت فكرة المصحَّات العلاجيَّة أو الاستشفائيَّة.
عندما زرنا بيشتاني، وقعتُ في غرامها، رغم أنَّي اعتدتُ على ترنشيانسكي تبليتسي، عرفتُ دروبها، أحببتُ حديقتها الكبيرة، وبحيرتها المملوءة بالسَّمك والبط، الحديقة التي شهدنا فيها مهرجانًا كبيرًا، وسباقًا لاختيار أجمل عربة من عربات الأطفال، تشعر أنَّك تمرُّ بأزمنة مختلفة وأنت تشاهد السيدات يرتدين ملابس العصر، الذي تنتمي إليه العربة الجميلة، ووسطها دُمية بحجم مولود يرتدي ملابس عصر العربة، كان منظرًا جديدًا بالنسبة لي وأنا أشاهد هذا الكم من عربات الأطفال بأحجام وأشكال مختلفة، والأجمل أزياء السيِّدات.
سلوفاكيا تقع وسط أوروبا، تحدُّها النمسا من الغرب، والتشيك من الشمال الغربي، ومن الشمال بولندا، ومن الشرق أوكرانيا، والمجر من الجنوب.
تشتهر سلوفاكيا بثقافتها الثريَّة، وفنونها التقليديَّة، وموسيقاها، يُقال إنَّ مطبخها أيضًا يشتهر بأطباق مثل البرياني، والجولاش، واللانجش، لكنِّي لم أجد في مطبخها ما يُبهر، أو ينال استحسانًا، أو يُحرِّض على الأكل، بالنسبة للفندق رغم مستواه والمرافق كالمسابح وغرف السونا والبخار وموقعه، إلَّا أنَّ الطعام لم أستسغه أبدًا، بالرغم من إعجاب بعض من كان معي؛ لأنَّه يساهم في إنقاص الوزن، وهذا يؤكِّد كلامي، بأن لا يُؤكل، لكن للنَّاس فيما يشتهُون مذاهبُ!.
تشتهر أيضًا بطبيعتها الخلَّابة، والبحيرات، منها بحيرة شتربسك بليسو، وهي بحيرة جليديَّة من أجمل البحيرات في سلوفاكيا، تشتهر أيضًا بالقلاع: قلعة براتيسلافا التاريخيَّة، وقلعة سبيش التاريخيَّة،
وتُعدُّ من كُبْرى القلاع في أوروبا. كذلك المنطقة التاريخيَّة في العاصمة براتيسلافا، التي تضم العديد من المباني القديمة، والشوارع الضيِّقة.
جبال تاترا، هي سلسلة جبال تقع شمال سلوفاكيا، وتُعدُّ واحدةً من أجمل المناطق الطبيعيَّة في البلاد، وتضم الجبال والوديان والبحيرات والشلالات، تضم مجموعة متنوِّعة من الحياة البريَّة، بما في ذلك الدببة، والغزلان، والنسور، سوف نتوجَّه إليها غدًا -بإذن الله-.
بعض المعلومات أمدني بها مشرف الرحلة الأستاذ عبدالحي عمودي «أبوفارس» الذي يُجيد اللغة السلوفاكيَّة، لذلك كان عونًا لنا في كلِّ تفاصيل هذه الرحلة العلاجيَّة، التي امتدَّت على مدى ثلاثة أسابيع، بمعدل 24 جلسةً في الأسبوع.
مكان هادئ وجميل، لكن حنين العودة يستبد بنا كلما اقترب موعد المغادرة، كما حملنا شغف السفر ورغبة العلاج للحضور، يسري في جوانحنا الحنين لنعود للوطن، لأحبتنا رغم حرارة الصيف، ورطوبة جدة العالية، لكنَّها برد وسلام على قلوبنا.


