(1)
* كثيرًا ما يكون للاستشهاد الشعري مكانه من النفس والعقل، حيث تخطر على بالنا جميعًا في مواقف الحياة ومن الحياة، وما من إنسانٍ يقرأ الشِّعر، ويملك شعورًا، إلَّا وتحضره أبيات شعريَّة في بعض الأوقات، وذلك كلَّما رأى تشابهًا بين ما يحسه ويشعر به؛ نظير ما ينطوي عليه ذلك البيت، أو تلك الأبيات.
وشأني في ذلك كشأن غيري من قرَّاء الدواوين الشعريَّة والأمثال السائرة، فلا أزال أعيد بعض الأبيات في ذاكرتي كلَّما عاودتني الحوادث بتجربة تذكِّرني بمعناها، ولعل بيت دعبل يستقوي على ذاكرتي كثيرًا:
إِنِّي لَأفْتَحُ عَينِي حِينَ أَفتَحُهَا
عَلَى كثيرٍ؛ وَلَكنْ لَا أَرَى أَحْدًا
مساحة عريضة تملأ حدقة العين، وتملأ ما تستجيش به النفس،
حينما تفتح عينيك على الكثير، ولكنَّك لا ترى أحدًا، وهذا «الأحد» لا تجده حالما تريده..!!
(2)
* على هذه البسيطة أناس يسيرون سير تلك الأرواح الملائكيَّة.. خطاهم تؤدَّة.. لا ينطقون إلَّا حينما يصمت الثرثارُون والمتفيقهُون. وعلى هذه البسيطة -أيضًا- أناس يتربعُون في المجالس العامَّة والخاصَّة، ويحتلُونها بأفواههم المملوءة بالكلام حدَّ الثُّمالة.. إذا نطقوا جافاهم الصواب.. ولكنَّهم محاطُون بزمرة ترتعش أياديهم بالتصفيق، وألسنتهم بالثناء..!!
(3)
* هناك مسافة قصيرة ما بين مَن تراهم.. ومَن تحس بهم.. الأوَّل لا يهمُّك.. والثاني يثير اهتمامك.. فتخيَّر مساحة القرب في الأُولى.. واترك للثاني مساحته التي يختارها.
(4)
* ميزة اللُّغة العربيَّة أنَّ لبعض كلماتها حدودًا فاصلة وحازمة، لا يفصل ما بين معناها المتضادة سوى إسقاط حرف واحد، كما تقرأها في كلمتي بشر وشر، وحب وخب..!!
(5)
* يقول (أندريه موروا): «كل ما يتَّفق مع ميولنا ورغباتنا الخاصَّة يبدو معقولًا في أعيننا، أمَّا ما يناقض رغباتنا فإنَّه يشعلنا غضبًا. فهل من المستغرب -والحالة هذه- أن يصعب علينا الوصول إلى حل مشكلاتنا؟ أَوَلَيس نسخر من الذي يحل مسألة حسابيَّة بسيطة مفترضًا أنَّ اثنين زائد اثنين يساوي خمسة؟! ومع ذلك فإنَّ كثيرًا من النَّاس يجعلون حياتهم سعيرًا بإصرارهم على أنَّ مجموع اثنين واثنين هو خمسة، وربَّما خمسون؟! فما العلاج؟ العلاج أنْ نفصل بين عاطفتنا وتفكيرنا، وأنْ نستخلص الحقائق بطريقة محايدة.
وحول هذا المعنى يقول (ديل كانيجي): «إنَّنا قلَّما نعنى بالحقائق، وإذا حدث أنْ حاول أحدنا استخلاص الحقائق، فإنَّه يتصيَّد منها ما يعضِّد الفكرة الرَّاسخة في ذهنه، ولا يبالي بما يناقضها، أي أنَّه يسعى إلى الحقائق التي تسوِّغ عمله، وتتَّسق مع أمانيه، وتتَّفق مع الحلول السطحيَّة التي يرتجلها».
وكأنِّي بـ(ديل كانيجي) يجترُّ معنى شاعرنا العربي القدير:
وَعَينُ الرِّضَا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ
وَلَكنَّ عَينَ السُّخطِ تُبدِي المَسَاوِيَا


