Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

الشهرة.. والوعي الذاتي والاجتماعي

A A
لكل شيء في الحياة حدَّان، سالب وموجب، نافع وضار!.

حتى الدواء، يخضع لطريقة الاستخدام، والوعي الذاتي، الذي يُوجِّه صاحبه للاستخدام الصحيح، حسب تعليمات الطبيب، وبحسب وعيه لاستجابة جسده وتفاعله مع الدواء، فلا يمكن لإنسان يمتلك الوعي، أنْ يستمر في تناول دواء يشعر معه بالتوعك، أو أنَّه يُسبِّب له أعراضًا جانبيَّة واضحة وملموسة، حتى لو أوصى به ألف طبيب.

كذلك وسائل التواصل الاجتماعي، وقنوات الإعلام الجديد، التي أصبحت مسيطرةً على الوعي، في استهداف مريب لمجتمعاتنا العربيَّة.

هذا الأسبوع سيطرت أخبار مَن يُطلَق عليهم -زورًا وبُهتانًا-

«مشاهير»، أو ما يعرف بـ «تيكتوكرز»، أو البلوقرز، في مصر، على وسائل الإعلام، رغم تدني مستوى المحتوى الذي يُقدِّمونه من خلال منصَّة تيك توك، وأسمائهم الغريبة المريبة، التي لا تناسب محتواهم، أو المستوى الهابط، والألفاظ الخارجة، والطريقة الفجَّة التي يظهرون بها. ليس كل ما سبق هو سبب الضجَّة، بل الاتِّهامات بالتورُّط في الاتجار بالأعضاء، وغسيل الأموال والمخدرات.

الأمر ليس مقتصرًا على دولة بعينها، لكن تختلف الدول في جدية القوانين التي تحد من التهوُّر والاندفاع المجنون خلف الرغبات المجنونة والجشعة!.

كذلك، الحلم مشروع لكل إنسان، لكن عن طريق العمل والجد والاجتهاد، دون ضرر ولا ضِرار!. كذلك، إذا كانت الوسائل للصعود والشهرة والثراء، متاحة مباحة دون فساد أو إفساد، فلا اعتراض.

طرق الشهرة السريعة، والوسائل المشبوهة، التي تفسد الذوق العام، بالاستعراض اليومي للممتلكات، والصعود من الطبقة الدنيا دون مستوى تعليمي أو اجتماعي، هذا هو المحرِّض الذي يجعل الشباب يوازن بين أستاذ الجامعة، الذي لا يزال يعيش في مستوى أقل من المتوسط، ودخله لا يكاد يفي باحتياجاته، وبين هؤلاء الذين يُراودونه -ليلًا نهارًا- بكميَّات الذهب التي معهم، ودخلهم اليومي الذي يتباهون بالحصول عليه، وعدد المتابعين الذين يصلون إلى الملايين، والجهات أو الشركات التي تضخ الأموال بحسب عدد المتابعين.

هل المجتمعات العربيَّة فقدت الوعي لتتابع أمثال هؤلاء، فرفعتهم من قاع المجتمع إلى مستوى لم يصل إليه كبار المسؤولين الشرفاء في الدول العربيَّة، أو الأوروبيَّة، كما أنَّ الدخل اليومي المرتفع يمثِّل حلمًا لم يعد بعيد المنال، بل بالتخلِّي عن القيم والأخلاق والفضيلة، واستعراض الأجساد، أو الحياة اليوميَّة، حتى غرف النوم، وداخل الحمام.

لم يعد الثراء بحاجة إلى ركوب الصعاب والسهر والتعب، كما كانت العبارة القديمة التي حفظناها، وتمثَّلناها، ولقنَّاها لأبنائنا وأحفادنا: «مَن طلبَ العُلا سهرَ اللَّيالِي»، لم يعد الأمر هكذا في عيون الأجيال الجديدة المنفتحة، والتي تجيد استخدام هذه الوسائل بحِرفيَّة، وهي تشاهد كل يوم مغمورًا أصبح مشهورًا في غمضة عين، وأصبح يتباهى بدخله اليومي، وبما يملك من قصور وسيارات فارهة، أمَّا بالنسبة للفتيات، فكميَّة المجوهرات، والماركات الفخمة التي لا يحلم المرء باقتنائها؛ لأنَّها لطبقة دخلها يمكِّنها من اقتناء مثل هذه الماركات بكل سهولة، لمستواها الاقتصاديِّ، أو الاجتماعيِّ. وعي الفرد بذاته وإمكانياته، وبما يمثل نفعًا له ولمستقبله وأسرته، هو الحامي أو الواقي من الوقوع في غفلة الصعود إلى الهاوية، والسقوط في براثن الشهرة المزيَّفة.

الكد والسعي في طريق الحياة يؤدِّي إلى الوصول للحلم بالطرق المشروعة.

كذلك وعي المجتمع، يمثل القيمة الكلية المانعة والرادعة لكل ما يخالف قيمه، ولكل ما ينتهك أمنه وثقافته، فيقف صامدًا بكل وسيلة.

لا شكَّ أنَّ مليون متابع، أو مليونين، أو عشرة ملايين لا تمثِّل المجتمع الواحد، لكنَّها مؤثِّرة في رفع مثل هؤلاء من القاع إلى القمَّة، وإفساد أذواق الأجيال وإحباطهم.

فُوجئتُ بحفيدي ذي سبع السنوات يبوح لي بحلمه، أنْ يكون له مليون متابع، أفزعني حلم طفل صغير، كان في عمر الخامسة والسادسة لديه أحلام بريئة، مثل ميكانيكي سيارات؛ لأنَّه يهوى جمع السيارات الصغيرة، ثم تغيَّر حلمه إلى الوصول إلى مليون متابع مع كل الضوابط، وتغذية الوعي بالنواحي الإيجابيَّة للعلم والعمل، وكل الأمور التربويَّة التي تحرص عليها الأسر، التي لا تسعى إلى شهرة أبنائها، ولا إلى الثروة التي تهبط فجأة فتفسد كل شيء.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store