في حضرته، إنْ كنتَ محظوظًا بوجودك في اجتماع عمل، أو مجلسه، أو مؤتمر يتحدَّث فيه، أو تابعت لقاءاته المتلفزة، فإنَّك لا تمتلك معه -مثلي- إلَّا أنْ تبقى شاخصًا في التأمُّل، ساكنًا في دائرة تفاصيل التفاصيل المحيطة به؛ كي تنهل من مدرسته شيئًا يُعينك على التعلُّم منها، ما يصقل عقلك وفؤادك، وتدرك منه ما يُمكن أنْ يقوِّم تجربتك الإنسانيَّة والفكريَّة واللغويَّة، فحين يأتي حديثه، تستوقفك في كلماته كلُّ حرفٍ من حروفها؛ لأنَّها لم تأتِ دون فكرة حلَّقت تدبُّرًا وإيمانًا، وتلحَّفت بمعنى صُقلت منه فصاحة تهفو إليها بعقلك، وعشقًا للعربيَّة أدركه الأمير منذ نعومة أنامله مبكرًا، كيف لا؟ وهو يجيب عن سؤال جَدِّه الملك المؤسِّس -طيب اللهُ ثراهُ- حين دخل عليه، وكان جالسًا في خيمته، ومعه والده الأمير فيصل، وخاله الأمير سعود بن جلوي -رحمهم الله- فيما هو طفل صغير برفقة أخيه سعد؛ ليختبره جدُّه ويداعبه بسؤال حصيف: "يا خالد.. مَن الأمير فيكم هنا.. أنتَ أم أبوك، أم خالك"؟! ليجيبه الطفل بفطنة جعلت جدَّهُ يضحك فرحًا بحفيده: "واللهِ يا طويل العمر، إذا جيت أنتَ لا عاد لي سنع، ولا أبوي، ولا خالي".
حتى وأنت تتأمل اللقب الشهير الذي أختاره (دايم السيف)، حيث إنَّ المعنى يتجلَّى في أنَّه مطابق تمامًا لاسمه، (خالد/ دايم) و(الفيصل/ السيف). لتُدرك معه عمق عنايته وبراعته في التعامل اللغويِّ مع الكلمات، والذي يعكس عمقه الفكري، فاللغة مرآة الفكر الإنساني، ألم يقل سقراط: (تكلَّم حتى أراك).
هذا الإدراك المبكِّر لأسرار الجزالة والفصاحة في اللغة، منحت عباراته سحرًا وبيانًا، خطابةً وشعرًا، فكان مجموعة الإنسان الأمير الشاعر الذي تغنَّت بكلماته القلوب، والفصيح الذي تناقلت أقاويله الألسن، والإداري الفطن بمواطن القوَّة واستثمارها؛ لتكون فرص نجاح لمشروعات قادها في كل منصب اعتلاه وتولَّاه، وفي كلِّ مبادرة أطلقها ورعاها، وعلى رأسها (مؤسسة الفكر العربي)، منارة التفكير الإنساني التي أضاءت فكرًا وثقافةً ووعيًا على مستوى العالم العربيِّ، بما أخرجته من مشروعات وكتب ومقالات وملتقيات ثريَّة فكريًّا، أسهمت في إبراز نتاج المثقفين والمفكِّرين عربيًّا، وكانت ذات تأثير على مختلف الأصعدة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، وكنتُ قد تشرَّفت بحضور عددٍ من مؤتمراتها، وورشها منذ سنوات.
إنَّك تشعر بالقرب كثيرًا من إنسانيَّة وحكمة المعلِّم الشاعر دايم السيف، يكفيك أنْ تقرأ أو تسمع أشعاره؛ ليصلك إحساسه بعمق، بل يكفيك أنْ تقرأ كتابه وتبحر معه، الصادر عام 1438هـن وجاء بعنوان (إن لم.. فمَن..؟!) والذي تشرَّفتُ كثيرًا بإهداء سموِّه الكريم لي، مقدِّمًا فيه "تجربة إنسانيَّة.. شكَّلتها المواقف والأحداث فكرًا.. نازل الأيام عمرًا.. طفولةً وشبابًا ورجولةً، ثم كهولةً.. تركتْ في عيني نور الإسلام.. وفي سمعي لحن وطن.. وعلى كاهلي مسؤوليَّة لقب ونسب..".
لكنِّي هنا، أرغب في الكتابة عن شيءٍ كان أكثر ما شدَّني تأمُّلًا في شخص الأمير الإنسان -حفظه الله- هو صمتُه في لحظات إنصاته للآخرين، فإنَّك معه تُحاول بما أُوتيت من قُدرة أنْ تُبصر رواشن النور منه قبل حديثه، فهو حين يصمت راميًا بصره، مستمعًا لأحدهم أو متأمِّلًا لموقف ما، فذلك الصمتُ لا تأبى معه إلَّا أنْ تُدرك أنَّه كلامٌ بليغٌ مقصودُ المعنَى والمغزَى؛ نابعٌ من خيالٍ مُتَّقد، وحكمة بُنيت من تاريخ تليد لآبائه وأجداده الملوك، ومن فكر صقلته عمق التجربة الطويلة الرصينة.
إنَّ في صمته هيبةَ أمير، ابن ملك، كان فيصل في زمانه كاسمه، تتوازى مع ما يسكن قلبه رحمة وإنسانيَّة بالغة الشفافيَّة، تُضيء من عينيه مسافات التجربة لمَن يحيطون به ويحيط بهم، وليس غريبًا أنْ تراه الفارس المُولع بالخيل، أو كما سمَّاها (بنات الريح)، الذي ارتبطت علاقته بها منذ أن كان في الثالثة من عمره، وهو في الأحساء، وتوطَّدت علاقته بها في مدينة الطائف، وكانت أيقونةً في أعماله الإبداعيَّة شعرًا ولوحةً، فهو الفنانُ الذي أراد أنْ يصل بلغته الإنسانيَّة، عبَّر بريشته لوحات تشكيليَّة حملت في ألوانها أفكاره وأحاديثه وإرثه الثقافي؛ ممَّا استوطنته، وتتقصاها فراسةً وتأمُّلًا في لغة تُدركها شعوب العالم المتباينة في لغاتها.
إنَّه في صمته وانصاته معلمٌ، يُطلق لمَن أراد التعلُّم كيف يعي معنى أنْ يُنصت، ويتجلَّى في لغته، وهذا ما جعلني كتلميذٍ في حضرته -حفظه الله- حين أتاحت لي الفرص منذ سنوات أنْ أتشرَّف بدعوة إمارة مكَّة المكرَّمة لحضور اجتماعات عمل ثريَّة له -أطال الله في عمره- مع قيادات ومسؤولي الأجهزة الحكوميَّة في منطقة مكَّة المكرَّمة لإطلاق أو مناقشة مشروعات المنطقة، وأعمال مبادرته الوطنيَّة الرائدة التي أثرت محافظات المنطقة، ونبعت من عمقه الثقافي، وإرثه الفكري، فبجانب إشرافه ومتابعته الدقيقة لمشروعات المشاعر المقدَّسة، وخدمة ضيوف الرَّحمن في بيت الله الحرام، كان أيضًا يطلق المشروعات الثقافيَّة التي أثرت المنطقة ثقافةً وسياحةً، على رأسها (سوق عكاظ)، و(أكاديمية الشعر)، ومشروعه الثري إنسانيًّا وخلقيًّا وعمليًّا ملتقى مكَّة الثقافي بشعار (كيف نكون قدوة؟) والذي كان لسنوات أيقونةً يعرفها الصغير والكبير في كافَّة محافظات ومدن منطقة مكَّة المكرَّمة، لقد كنتُ محظوظةً جدًّا أنْ عملتُ ضمن فريق عمل تم اختيارهم لتطوير وتقييم المبادرات في الإمارة لأربع سنوات متتالية، منذُ أنْ دشنت المبادرة التي أدارها باقتدار المستشار الدكتور سعد مارق، تحت توجيهات ورعاية ومتابعة دقيقة من قائد المبادرة مستشار خادم الحرمين الشريفين وأمير منطقة مكَّة المكرَّمة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل -حفظه الله- وكم أتمنَّى أنْ تكون هذه المبادرة (كيف نكون قدوة؟) أيقونةً في كافَّة مناطق المملكة الحبيبة.
إنَّ دايم السيف كما يتجلَّى في كلامه الفصاحة والجزالة، ففي صمته يتجلَّى البيان والحكمة، وكما نقل لنا الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين) عن ابن المقفع الذي عدَّ السكوت والاستماع أوَّل وجوه المعاني التي تجري بها البلاغة، حيث يقول: "البلاغة اسم جامع لمعانٍ تجري في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة".
إنَّه المعلِّم الذي يجيد اللغات الأُخْرى، لكنَّك أبدًا لا تسمعه يستخدم كلمة تغريبيَّة في حديثه؛ لأنَّ اللغة هويَّة الإنسان، والعربيَّة تأصيل وطني، وهو القدوة لنا، العاشق للوطن قيادةً وشعبًا وإنسانًا، وكما قال عن اللُّغة العربيَّة: "لغةُ الكتابِ والنورِ.. وحدائقُ الزهورِ نزَلَ بها القرآنُ، وتكامَلَ البيانُ.. وتجلَّى سحرُهَا الحلالُ.. نافثًا فينا الجمالَ.. لغةٌ أنعشتِ الوجود.. قدرُها الخلود.. نَبلَى ولا تَبلَى.. وتَعلُو ولا تُعلَى.. إنَّها بإيجازٍ لغةُ إعجازٍ".
بكلِّ صدقٍ، لا تكفي المقالات، ولا الكتب في الكتابة عن المعلِّم والإنسان والقدوة الأمير خالد الفيصل -حفظه الله، ومتَّعه بالصحَّة والعافية-؛ لأنَّه مدرسة فكريَّة وإنسانيَّة وإداريَّة وإبداعيَّة، لا تتوقَّف عن العطاء والتأثير، ولن تتوقَّف.


