قبل أسابيع قليلة، وبعد أنْ أدَّيْتُ صلاة الفجر في مسجد الحيِّ الذي أسكن فيه بجدَّة، وكانت ليلتي قبلها هادئةً -بفضل الله- قد غارت فيها النجوم بعيدًا في الفضاء، وسكنت عيني عميقًا وسط غيمة من النوم الهانئ، وراق فيها مزاجي الذي تعكَّر كثيرًا بعد التقاعد، ذهبْتُ لكُشْك شاي وقهوة مشهور، يطلُّ على طريق المدينة القريب منِّي، وابْتَعْتُ منه كأسًا من شاي الكرك، بعد أنْ نصحني به بعضُ الأصدقاء، ويا لها من نصيحة، إذْ من حلاوة مذاق الشَّاي -رغم أنَّه خَالٍ من السُّكَّر- ارتشفتُه كلَّه بسرعة، وبنيَّة العودة إلى شُربه في أقرب وقت عند رغبتي في ذلك.
هذه الرغبة صارت عادةً يوميَّةً لي لم تتوقَّف، وتستطيعون أنْ تصفوها بالإدمان، الذي لم أستطع الإقلاع عنه، وربَّما أحتاجُ -الآن- لمستشفى أمل، لكن خاص بالعلاج من إدمان المُنبِّهات!.
وفي الحقيقة لم أظنّ أنَّ هناك مشروبًا يمكن أنْ يُسيطر عليَّ بسهولة هكذا، ويهزم مشروبي الآخر المُفضَّل عندي بالضربة القاضية، وهو الشاي بالنعناع، لدرجة أنَّني بدأتُ أتقصَّى عنه، كما يتقصَّى أبو العروس عن عريس ابنته، فوجدتُ أنَّه هنديُّ المصدر، ويُعبَّأ داخل أكياس ورقية فاخرة، وما على الكُشْك سوى صبِّ الحليب السَّاخن عليه، وتزيينه ببعض الرغوة؛ ليكون جاهزًا للشُرْب، وقيمته عشرة ريالات للكأس الواحدة، وهكذا يمكن لكم القول إنَّ مصروفي الشهري عليه هو ٣٠٠ ريال في حالة تناولي لكأس واحدة فقط في اليوم، وإنْ زِدْتُ زَادتْ!.
ولأنَّه صار مثل الزَّوجة الهنديَّة التي تلتصق بزوجها ولا تفارقه، بدأتُ أبحثُ عن أصله وفصله، والسبيل لتخفيض نفقتها الشهريَّة.. عفوًا.. أقصد تكلفة الشاي الشهريَّة، فوجدتُ أنَّ اسمه الأصلي هو (ماسالا تشاي) وانتقل إلينا عبر التُجَّار والحُجَّاج الهنود، وكلمة كرك في اللُّغة الهنديَّة تعني قويًّا، أو مركَّزًا، أو ثقيلًا، مثل شاي الصعايدة في مصر، مع تناول وجبة فُول وطعميَّة دسمة، وهو مُكوَّن من الشاي الأسود، والحليب المُكثَّف، أو المُبخَّر، والهيل، فضلًا عن السُّكَّر الاختياريِّ، أو الزنجبيل، والقرفة، والزعفران، وله فوائد صحيَّة، كما له أضرار، حسب خواص مكوِّناته، لكنَّ نسبة الكافيين العالية فيه تُعدُّ أبرز أضراره، ومن حُسْن حظِّي أنَّي لا أشربُه في المساء طِبْقًا لعادتي الحميدة؛ بتجنُّب شُرْب المُنبِّهات إلَّا في الصباح؛ فرارًا من الأرق!.
أمَّا نفقة زوجتي الهنديَّة، فلا زلتُ أبحث عن سبيل لتخفيضها، ويرحم الله أيام زمان، عندما كانت تكلفة أغلى وألذِّ شاي ريالان فقط، وجرَّبتُ أنواعًا أُخْرى وأرخص من نفس الشاي؛ ممَّا تُباع في البقالات، أو تُعدُّ يدويًّا في المقاهي واللاونجات، فلم أجدها بنفس جودة زوجتي الجميلة Karak، وبالطبع لم أقدر على تطليقها؛ خوفًا على مشاعرها، أو من دفع مؤخَّر الصداق، الذي ما زال إلى الآن أحد أعراف الزَّواج في الشقيقة سوريا، وربَّما ترفع الهنديَّة قضيَّة ضدِّي وتُحرجني أمام العالمِينَ!.
إذن، فلتبقى في ذمَّتي حتَّى يقضيَ اللهُ أمرًا كانَ مفَعُولًا!. ومع كلِّ رشفة من شاي الكرك، وأنتم بخير.


