Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.محمد طلال سمسم

كلما أدّبني الدهر

A A
يقولُ الإمامُ الشافعيُّ -رحمه الله-:

«كُلَّما أَدَّبَني الدَهرُ أَرانِي نَقصَ عَقلي».

فالإمام الشافعي، بقدرهٍ «أدبًا وعلمًا»، يُبرز أهميَّة التَّأديب والتعلُّم المستمر، باعتبارهما من الركائز الأساسيَّة في بناء شخصيَّة الإنسان ونضجه. ويشير إلى أنَّ اكتساب الأدب نتيجة مباشرة للتجارب الحياتيَّة.

إنَّ تأديب النفس لا يقتصر على مرحلة عمريَّة، أو طبقة اجتماعيَّة، بل هو ضرورة حياتيَّة مستمرَّة تلازم المرءَ منذُ صغرِه. فالتأديبُ، وطلبُ الأدبِ ليسا حكرًا على صغارِ السِّن، بل يرافقان الإنسان طوال مراحل عمره، فالحكيم والموفَّق يسعى لترقية أخلاقه، وتهذيب نفسه، ولا يأنف أنْ يستمد الأدب ممَّن هو أعلى منه في أيِّ خُلُق. فشعور أحدنا بأنَّه «قد كبر» سنًّا، أو مكانةً، أو علمًا؛ على أنْ يكون متلقِّيًا للتوجيه، أو التأديب، هو في حقيقته مظهر من مظاهر الكِبر، ومعلومٌ أنَّ الكِبر والتكبُّر هو سبب الذنب الأكبر الذي وقع فيه إبليس، حين استكبر عن تنفيذ أمر الله، فكان من الخاسرين.

حتَّى سيِّد الخلق أجمعين، النبيُّ محمدٌ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- الذي قال عنه المُولى -عزَّ وجلَّ-: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}، فقد اعتزَّ بتأديب الله -سبحانه وتعالى- حيث قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحَسَنَ تَأدِيبِي». ومن صور التَّأديب الربانيِّ، ما وقع في حادثة تأخير الوحي عن النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- حين وعد قومه أنْ يخبرهم بأمرٍ في الغد، دون أنْ يقولَ: «إنْ شاءَ اللهُ». فأنزلَ الله تعالى قولَه: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ}. وقد جاء في سبب نزول هذه الآية، أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- سُئل عن قصَّة أصحاب الكهف، فوعد مَن سأله أنْ يخبرهم بها في اليوم التالي، دون أنْ يقولَ: «إنْ شاءَ اللهُ»، فاحتُبس عنه الوحي خمسة عشر يومًا، حتَّى نزلت الآية تأديبًا له -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وتعليمًا للأُمَّة. وجدير بنا الانتباه إلى أسلوب التَّأديب الربانيِّ للحبيب المصطفى -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- حيث ورد التوجيه بشكل بالغ اللُّطف في ثنايا سرد قصَّة أصحاب الكهف، دون توبيخ، أو تأنيب.

لقد عُرف طلاب العلم عبر التاريخ الإسلامي المجيد بأنَّهم يمكثُون في مجالس العلماء لسنوات طويلة، لا لطلب العلم فقط، بل ليتأدَّبُوا قبل أنْ يتعلَّمُوا. فكانوا يقولون كنَّا نطلبُ الأدبَ قبلَ العلمِ.. والأدبُ يحفظُ العلمَ.

إنَّ التأديب، سواء من خلال التجارب الشخصيَّة، أو بحُسن مشاهدة ومتابعة أصحاب الأدب الرَّفيع، أو بحُسن استقبال تأديب ونصح أهل الصلاح والوالدين، هو سبيل المؤمن إلى النضج والرُّقي. والأدب هو ثمرة هذا التأديب، وهو ما يجعل الفرد محبوبًا، محترمًا، ومؤثِّرًا في محيطه. فالأدب ليس مجرَّد سلوك حسن، بل هو انعكاس لعمق الفَهم ورقيِّ النفس.

اللَّهُمَّ امنحنا نورَ البصيرةِ والبصرِ، واجعلنَا مقتدِينَ بصاحبِ الخُلقِ العظيمِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.

@mtsimsim

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store