أكثر ما يلفت نظرك في معارض الكتاب المحليَّة، الازدحام الكبير حول أجنحة ورفوف الرِّوايات والقصص والكتب الخفيفة، على حساب بقيَّة الكتب والأجنحة الثقيلة.. واللافت أكثر أنَّ المزدحمين ليسوا من شريحة الشباب وحدهم، بل تشاركهم بعض الفئات العمريَّة الأكبر، والتدافع حول تلك العناوين، إمَّا بسبب فضول الازدحام، أو لصدى إعلان أحد المؤثِّرين؛ ممَّا يثير سؤالًا مشروعًا: هل تكشف هذه الظاهرة عن ذائقة ثقافيَّة صاعدة، تعكس حاجة فكريَّة جديدة، أم أنَّها مجرَّد استجابة مؤقَّتة لكثافة الترويج الإعلاني، واختيار سريع ينساق خلف الضجيج لا خلف القِيمة؟.
بالتأكيد هذا لا يعني أنَّ القارئ السعودي لا يقتني الكتب الفكريَّة أو العلميَّة، لكنَّنا نناقش ميلًا متناميًا نحو الكتب السهلة، البعيدة عن القيود الأدبيَّة، والقريبة من لغة الحياة اليوميَّة. لا يمكن إنكار أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت بقوَّة في هذا الميل نحو كل ما هو سطحيٍّ، فتغريدة من مشاهيرهم، أو مقطع في «تيك توك»، كفيل بأنْ يجعل كتابًا ضحلًا في طليعة المبيعات!.. والقوائم الرَّائجة لا تعكس دائمًا ذائقة ثقافيَّة ناضجة، بل تعني نجاحًا تسويقيًّا مدروسًا، يستغل حالة الفضول الجماعيِّ أكثر من حاجات الفكر العميقة.
لكن على الجانب الآخر، لا يخلو هذا المشهد من دلالة إيجابيَّة مهمَّة يجب استثمارها، فهو يعكس تعطُّشًا للقراءة، ولو في أبسط صورها، وربما تكون هذه «البوابة الخفيفة» مدخلًا لجيل كامل نحو القراءة الأعمق والأكثر رسوخًا.. فالتأثير الثقافي لا يُقاس فقط بالنخب، بل بالقدرة على دفع القارئ العادي إلى دخول ساحة الكتاب من أيِّ باب.
من المهم -إذن- تغيير السؤال: هل يبحث القارئ الشاب عن المعرفة الجادَّة؟ أم أنَّه ينجذب أكثر لما يشبع لحظة عاطفيَّة لديه، أو يلامس انتماءه لجيله؟ ربما تكمن الحقيقة في المزج بين الاثنين، قارئ يريد أنْ يتسلَّى ويجد صدًى لمشاعره، لكنَّه في الوقت نفسه يتوق لكتاب يمنحه قيمةً فكريَّةً تضيف إليه. في النهاية.. لا ينبغي أنْ نقيس قيمة الثقافة بميزان المبيعات وحده، فالأكثر مبيعًا ليس بالضرورة هو الأكثر تأثيرًا، وهذه العناوين السطحيَّة، بكل ما لها وما عليها، تبقى مرآةً مؤقتةً لذائقة جيل في تحوُّل مستمر.. ومسؤوليَّة المؤسسات الثقافيَّة، والمعارض، ودور النشر، لا يجب أنْ تقف عند حدود البيع والتسويق، بل تمتد إلى صناعة ذائقة أوسع، تُوازن بين ما يطلبه السوق، وما تحتاجه العقول.. فالمهم ليس أنْ نغلق أبواب الروايات الخفيفة، بل أنْ نفتح معها أبوابًا أوسع نحو الكتب التي لا تنطفئ بعد القراءة، بل تبقى وقودًا للوعي، وبذورًا للنهوض.


