Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
م . طلال القشقري

زواج محفظتي من جيْب ثوبي الأيمن..!!

بضاعة مزجاة

A A
من القصص التي ما زالت تؤلمني، رغم مرور سنوات على حصولها، فقْدان محفظتي، وما فيها من نقود، وبطاقة الهويَّة الوطنيَّة، ودفتر العائلة، ورخصة السياقة، واستمارة السيَّارة، وبطاقة دخول مقرِّ العمل، وبطاقتَي عضويَّة جمعيَّة الكُتَّاب، وهيئة المهندسين، وبطاقات البنوك للصرف والائتمان!.

حقًّا إنَّها قصَّة مؤلمة لي، إذ كُنْتُ في سيَّارتي مع الأهل في الطائف، في ختام تنزُّهنا فيه وعودتنا إلى جدَّة، وكُنتُ بحاجة للنقود، فسحبْتُ مبلغ ٥ آلاف ريال من ماكينة صرَّاف، ووضعته في المحفظة التي أدخلتها كعادتي في جيْب ثوبي الأيسر، ويبدو أنَّها لم تستقر في قاع الجيب، وظلَّت مُعلَّقة على طرف فتحته، مثل العروس التي تتمنَّع دلالًا من دخول بيتها، ولم أشعر بذلك؛ بسبب ربطي لحزام الأمان، وضيق المكان، حتَّى وصلْنا للبيت في جدَّة، ويبدو أنَّها سقطت منِّي في الشارع خلال نزولي من السيَّارة دون أنْ أشعر، وبعد ساعة احتجْتُ المبلغ فلم أجد المحفظة، ففتشْتُ السيَّارة والشَّارع سنتيمترًا.. سنتيمترًا فلم أجدها، وحتمًا عثر عليها أحدٌ، ولو سرق النقود وأعاد الباقي لسامحتُه وكافأتُه، لكنَّه لم يفعل، فبُعْدًا له كمَا بَعدَت عادٌ وثمودُ.. وإسرائيلُ!.

ولم أفقد المحفظة فقط، بل فقدتُ سكينتي وهدوء أعصابي، ولا أعلم كيف تمكَّنْتُ من النوم ليلتها، وكان عليَّ في البداية أنْ أتَّصل ببنكي لألغي بطاقات الصرف وعددها ٢، والبطاقات الائتمانية وعددها ٤، مخافة أنْ ينصب بها مَن ينصب، ثمَّ هرعْتُ لبنكي في الصباح، واستخرجتُ بطاقات صرف، أمَّا البطاقات الائتمانية فجاءتني بالبريد بعد أسبوعين، إذْ لا عيْشَ يطيب بلا نقود في الحساب البنكي، ولا حساب بنكي يُفيد بلا بطاقات صرف وائتمان!.

وبدأتُ رحلة مراجعة مكوكيَّة مثل رحلات وزراء الخارجيَّة، بين مقرِّ عملي وبين الجهات المعنية لاستخراج بطاقات بديلة، وكنتُ أشعر كأنَّني مجهول وسط جمهور معلوم، مثل شعور المُقيمين لدينا دون إقامات، فمقرُّ عملي مثلًا رفض دخولي إليه بلا بطاقة، فاضطررتُ للاتصال هاتفيًّا بالمدير العام ليسمح بدخولي، وتقديم طلب إصدار بطاقة دخول جديدة، وسُقْتُ سيَّارتي لإدارة المرور بلا رخصة سياقة، ولا استمارة سيَّارة لأطلب بدل فاقد، ولو علِمت الإدارة ذلك لربَّما غرَّمتني، وكذلك الأمر مع إدارة الأحوال المدنيَّة بالنسبة لبطاقة الهويَّة الوطنيَّة التي هي دُرَّة تاج المواطن السعودي، والحمد لله على حصولي على البدائل في فترة قياسيَّة، وأُزيح عنِّي همٌّ ثقيلٌ يُساوي ثقل جبال الطائف التي جئتُ منها مُنْشِدًا: جِينَا من الطائف، والطائف رَخا رَخا.

ومُنذ ذلك، حرَّمْتُ وضْع محفظتي في جيبي الأيسر، وزوَّجتُها بالإكراه من جيبي الأيمن، زواجًا دائمًا كالزواج الكاثوليكي، لا طلاق فيه، وخيرٌ لي ولها إنْ لم تقع في حبِّه وترسو في قاعه أنْ تسقط داخل السيَّارة بدلًا من السقوط خارجها، ومن ذاق لدغة الأفعى يخاف من الحبل، ومحفظة الرجل ليست مجرَّد حقيبة مصنوعة من جلد الغزال، أو حتَّى من جلد الديناصور، بل مفاتيح خزائن حياته الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، ويا محفظتي يحميك الله من كلِّ شرٍّ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store