Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد أسعد خليل

الاستقالة الصامتة!!

A A
في الآونة الأخيرة، برزت ظاهرة جديدة داخل بيئات العمل الحديثة، تُعرف بـ»الاستقالة الصامتة»، وهي لا تعني أنَّ الموظف قدَّم استقالته رسميًّا، بل تعني انسحابه نفسيًّا ومهنيًّا من دوره الوظيفي، مع بقائه جسديًّا في موقع العمل، فالموظَّف في هذه الحالة يؤدِّي الحد الأدنى من المهام المطلوبة فقط، دون أيِّ مبادرة أو التزام يتجاوز الوصف الوظيفي، ورغم أنَّ الظاهرة قد تبدو هادئةً ظاهريًّا، إلَّا أنَّ آثارها داخل المؤسَّسات عميقة وخطيرة، إذا تُركت دون معالجة.

فالاستقالة الصامتة هي رد فعل داخلي من الموظَّف على بيئة العمل، أو أسلوب الإدارة، يتجلَّى في الامتناع عن أداء أيِّ مهام إضافيَّة، مع غياب الحماس والمبادرة، وتقليل التفاعل داخل الفريق، وضعف المشاركة في الاجتماعات أو الأنشطة التطويريَّة، مع الاهتمام بالحدِّ الأدنَى فقط من ساعات الحضور والانصراف، بعبارة أوضح الموظَّف لا يغادر المكتب، لكنَّه يغادر العقليَّة الإيجابيَّة تجاه العمل.

وعند البحث لماذا تحدث الاستقالة الصامتة؟ تجد أنَّ الإدارة تُرهق الموظَّف ولا تُقدِّره، ويشعر كثير من الموظَّفين أنَّ جهودهم الزائدة لا تُقدَّر، وأنَّ العمل الإضافي أصبح قاعدة لا استثناء، وغياب الحوافز والاعتراف، فحين لا تُوجد حوافز معنويَّة أو ماديَّة، يبدأ الموظَّف في الانسحاب تدريجيًّا، وكذلك سوء الإدارة أو القيادة المتسلِّطة، وهناك بيئة العمل التي تفتقر إلى الاحترام، أو تكثر فيها القرارات الفرديَّة، وتجد أنَّها تُولِّد الإحباط، وتُظهر بشكل واضح انعدام التوازن بين العمل والحياة، وأيضًا عندما يتجاوز العمل حدوده إلى وقت الموظَّف الخاص، وعند انسداد المسار الوظيفي، وعندما لا يرى الموظَّف فرصة للنمو. هل الاستقالة الصامتة سلبيَّة دائمًا؟ هي ليست دائمًا فعلًا سلبيًّا من الموظَّف، ففي بعض الحالات قد تكون وسيلة حماية ذاتية من بيئة سامَّة أو ضاغطة، لكنَّها بالتأكيد إشارة تحذيريَّة للمنظَّمة بأنَّ هناك خللًا في ثقافة العمل، أو في التواصل الإداريِّ.

ولكن كيف نتعامل مع الاستقالة الصامتة؟ من خلال إعادة بناء الثقة، وعبر التواصل الصادق والمباشر مع الموظَّفين، وفتح قنوات مريحة للتعبير عن الرأي للعاملين، وكذلك مراجعة ثقافة العمل باستمرار، وهل تُكافأ المبادرة؟ هناك فرصة لتحسين أسلوب القيادة، فالقادة الذين يديرون بالتحفيز لا بالإكراه، يقل لديهم معدل الانسحاب الصامت، فإشراك الموظَّف في القرار يمنح الموظَّف صوتًا في التغيير، يشعر بالانتماء والمسؤوليَّة، وتكون فرصة إعادة تصميم الوظائف، فقد يكون الموظَّف في وظيفة لا تُناسب قدراته أو ميوله، وتغيير بسيط قد يُعيد له الشغف.

ولا يمكن تحميل المنظَّمة كلَّ المسؤوليَّة لهذا الأمر، ولكن أيضًا على الموظَّف، إذ لا بُدَّ أنْ يتحدَّث بصراحة حين يشعر بالإحباط، ويطلب التوضيح عند الغموض، ويبحث عن فرص تطوير داخل المؤسسة قبل أنْ ينسحب، ولا يجعل الاستقالة الصامتة أسلوب حياة، فهي تُهدر عمره هو أيضًا.

إن علاج ظاهرة الاستقالة الصامتة لا يبدأ من الإدارة فقط، ولا من الموظف وحده، بل من بناء علاقة متبادلة قائمة على الوضوح والتقدير والتوازن، فالموظف لا يحتاج معجزة ليُعطي، هو فقط بحاجة لأنْ يشعر أنَّ ما يُقدِّمه يُحتَرم، ويُحتسَب.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store