Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

ماذا تكتب.. ومن يقرأ؟!

A A
لا شكَّ أنَّ الكاتب في هذا العصر -الذي أُطلق عليه عصر الصورة- يواجه صعوبةً ومسؤوليَّةً أكبر، تجعل من الكتابة معاناةً حقيقيَّةً.

كلنا ندرك ما تنضوي عليه الكتابة الصحفيَّة المنتظمة من مسؤوليَّة والتزام، في مقابل ما تُحقِّقه للكاتب من متعة، تبدأ بالبحث عن فكرة، حيث كان يجدها بسهولة من الأحداث اليوميَّة المحليَّة، أو الإقليميَّة، أو العالميَّة. لكن المتعة الحقيقيَّة حين يجني حصاد جهده الفكري، عندما تُنشر المقالة في الصحيفة، سواء كانت ورقيَّة أو إلكترونيَّة، بلا شكَّ أنَّ الأُولى أجمل وأسرع، بالإضافة إلى الشهرة التي يكتسبها الكاتب مع مرور السنوات. الآن، أصبح على الكاتب أنْ يبحث عن أفكار تناسب سرعة قنوات التواصل، تقترب من اهتمامات القارئ، وتلامس شغفه، لم تعد الفكرة مطروحةً بين يديه -من حادثةٍ، أو حدثٍ اجتماعيٍّ، أو أدبيٍّ، أو سياسيٍّ- كما كانت تتعارك في رأسه الموضوعات كل يوم، أو كل أسبوع، من أجل اختيار أحدها، لطرحه، وتحليله، وتقديم رُؤيته بشفافيَّة.

الآن، قبل أنْ يلتقط الفكرة، يسبقه إليها ألف بلوقر ومشهور -كما يُطلق عليهم- وغير مشهور أيضًا، بعد أنْ أصبح الجميع مقدِّمي برامج، ومحاورِينَ، ومذيعِينَ، ومحلِّلِينَ، وخبراءَ في: الفتَّة والكرشة والكباب، والتراب والماء، والنَّار والرماد، والبهار والخضار، والسماد ومبيد الحشرات، والفسيخ والتخسيس، وكل ما يخطر وما لا يخطر على البال.

كثير من الكُتَّاب ألقى بالقلم في هاوية المجهول، وحمل المحمول، وأصبح بلوقرًا أو مشهورًا، لكنْ مَن لا زال متمسِّكًا بالقلم، هو الذي لا زال يبذل جهدًا وفكرًا ووقتًا؛ كي يقبض على قارئ هارب من الصورة، إلى الكلمة المكتوبة، الكلمة الصادقة النقيَّة؛ لأنَّه أدرك أنَّ هنا الثقافة الحقيقيَّة، أمَّا هناك في قنوات التواصل، فالوقت وما يُشاهده ويُتابعه، كقبض الريح، أو كالهباء!.

كثيرون يُتابعون الأكاذيب والابتذال، وكثير من الكلمات السوقيَّة والمبتذلة، وكثيرون أصبحوا متابعِينَ لأفَّاقِينَ وربما مجرمِينَ، وهم غافلون، بينما لا يمنحُون شيئًا من وقتهم للقراءة.

الأخبار في قنوات التلفزيون، أو الراديو، أو المنشورة في الصحف الرسميَّة، هي أكثر صدقًا، وأوثق ممَّا يُنشر بسرعة، ودون تحقُّق، وتعوزه المصداقيَّة، لكنْ -للأسف- حتَّى القارئ التقليدي هجر هو أيضًا القراءة، وانشغل بمتابعة وسائل التواصل، بكلِّ الغثِّ الكثير، والسَّمين القليل والطارئ.

ماذا يكتب الكاتب، ومَن يتلقَّى جهده وأفكاره، والجميع يلهث خلف لقطات سريعة تمنحه أخبار العالم في دقائق أو ثوانٍ، حتَّى مع اقتناعنا بأنَّ الكثير منها غير صحيح، وأنَّ معظم الأخبار مجتزأة، أو أنَّها للإثارة؟!.

أنقل لكم إجابة «chatgpt» عندما وُجِّهت له أسئلة العنوان، أجاب قائلًا: «في زمن الصورة، يصبح لزامًا على الكاتب أنْ يعيد تعريف أدواته، وأنْ يواكب التغيُّرات الجذريَّة في طرق التواصل والتأثير. لم تعد النصوص وحدها قادرة على جذب القارئ، أو إيصال الرسائل، كما كانت في الماضي، فالصورة اليوم تفرض حضورها بقوَّة، مختزلة الكثير من الكلمات في لحظة بصريَّة واحدة؛ لذا ينبغي على الكاتب أنْ يتعلم كيف يوظف الصورة، جنبًا إلى جنب مع الكلمة، فيصنع من كلماته مشاهد تلامس خيال القارئ، ويستثمر قوة الصورة لتدعيم أفكاره ومواقفه.

كما يتعيَّن علينا أنْ نكتب بما يتناسب مع سرعة العصر، وأنْ نُراعي تنوُّع الوسائل والمنصَّات التي يتلقَّى منها الجمهور الرسائل، بحيث نمزج بين العمق والبساطة، ونبحث عن الإبداع في تقديم الأفكار، سواء عبر نصوص مكتوبة، أو صور، أو حتَّى مقاطع مرئيَّة قصيرة. فالكتابة في زمن الصورة ليست مجرَّد نقل للمعلومات، بل هي فنٌّ في اختيار اللحظة المناسبة، والصياغة التي تُحاكي روح العصر، وتستغل كل الإمكانات المتاحة للتأثير والإيصال.

هذا رأي الذكاء الاصطناعي، فهو منحاز إلى التقنية والصورة، لكن لا يمكن للصورة أنْ تلغي الكلمة، فلا زال للكلمة مفعولها العميق، الذي يتسلَّل رويدًا رويدًا إلى فكر القارئ، ويُشكِّل وجدانه على المدى الطويل، لذلك لا زالت معارض الكتاب هي النشاط الأبرز على المستوى المحليِّ والدوليِّ؛ لأنَّ الكتاب لا يزال خير جليس للمرء، وخير صديق.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store