«الحوار» مرآة عاكسة لما يختزنه (الفرد) من وعي وقيم وآداب ومبادئ وسلوك، ويعكس توجُّهاته الفكريَّة والنفسيَّة، ويُظهر مستوى تراكمه الثقافي، وقدرته الإدراكيَّة العقليَّة، كل ذلك يُمكن قياسه عبر أسلوب الفرد في حواره مع الآخرين؛ إنَّه سفير -ببساطة- وخير مَن يُصوِّر ما يختزنه العقل البشري من تراكمات! لكنَّه كي يصل إلى هذه المرحلة من الشفافية التي يُمكن قياسها، فإنَّ الحوار يحتاج مساحة من التعبير تكفل للمتحاورين حيِّز التحرُّك فيه، وإلَّا فإنَّ الحوار دون جدوى، ولن يكشف ما تخفيه الأنفس، ولا توجُّهاتها الفكريَّة التي بكشفها يُمكن أنْ يُأمن شرَّ انحرافها، وكما تذهب الحكمة اللاتينية «الحوار صورة للعقل».. عبارة تستحق التأمُّل. إنَّ الحوار وسيلة -بحد ذاته- لتنظيم وفهم العلاقات والاختلافات الإنسانيَّة المتباينة في المجتمعات، وبه يُمكن الوصول إلى فهم مُشترك للمسائل والأفكار مهما كانت مساحات الاختلاف بين الأفراد والفئات الاجتماعيَّة المختلفة؛ وهو بحاجة إلى مساحة من «التعبير» التي لا يُمكن إجراء حوار فيها ما لم تُكفل مسافات التقدير المتساوية، وسقف الحُرية ذاتها بين المتحاورين خلال مناقشة الأفكار أيًّا كانت بسيطة، أو معقَّدة، وسواء كانت فكريَّة، أو دينيَّة، أو ثقافيَّة، أو اجتماعيَّة، خاصَّةً حين تتقاطع مع الآخر وتختلف، وعندها يجب عدم استغلال «حُريَّة التعبير» في ممارسة «التعصُّب»، أو «التحجُّر» ، أو «مصادرة» الطرف الآخر لمجرَّد أنَّها مساحة حُرَّة؛ وحتى يُصبح مُجديًا مؤسسًا لقيم التعايش والارتقاء والإصلاح والتطوُّر بين أطراف الحوار، والوصول به إلى تعميق العلاقة في نقاط الالتقاء بتعزيز الفهم المشترك، وإدراك باطن الأمور ممَّا لا تُظهره القشور، ودون ذلك؛ الحوار يُصبح هشًّا قائمًا على علاقة «قِشريَّة» لا يُسمن ولا يُغني من جوع! وربما يتحوَّل إلى ساحة جدل عقيمة متَّشحة بالأحكام الجاهزة ومُتشنِّجة؛ ممَّا يؤدِّي إلى التنافر، ويتحوَّل فيه المنحرف فكريًّا إلى التخفِّي والنفاق والتلوُّن، ومُسايرة الظاهر بما يخفيه باطنه، ويتحوَّل معه إلى بوابة مُغلقة أمام فهم الآخر! ومعادلة تحقيق ذلك، أنَّه بقدر ما يحتاجه الحوار من «مساحة للتعبير» التي هي بمثابة مناخ إيجابي يُؤسس التفاهم، ومعالجة التباينات، وكشف البواطن، فإنَّه يحتاج معه إلى «العقل» للنهوض به وفق القيم الثابتة، ومبادئ الاحترام المتبادل وآدابه، ويضبط ذلك بمرجعيَّة تنظيميَّة قانونيَّة تكفل حق أطرافه بما لا تتقاطع مع تقدير المسافات، فلا تجريح، أو إقصاء، أو تجاوز لفظي، أو معنوي، أو مادي؛ وكما يقول الفيلسوف الإنجليزي جون لوك: «غاية القانون ليس منع أو تقييد الحريَّة، بل حفظها وتوسيعها»، حيث إنَّ حُريَّة التعبير لا تعني «الفوضى»، وليست مساحة «عبثيَّة» تتصارع فيها الرغبات الذاتيَّة والتوجُّهات المنحرفة في مناقشة الأفكار والمضامين أيًّا كانت، إنَّما في المقام الأول حُريَّة التعبير هي «المسؤوليَّة» التي يفرضها «العقل» لمن يَعقل معنى الحوار وأهدافه، وكلَّما ارتفع سقف «حُريَّة التعبير» زادت معه مسؤوليَّة العقل والالتزام الأخلاقي.
يقول البروفيسور نعوم تشوميسكي المفكِّر وعالِم اللسانيَّات الأمريكي: «إذا كنتَ تُؤمن بحريَّة التعبير؛ فأنتَ تؤمن بحريَّة التعبير عن الآراء التي لا تعجبُكَ»، هذا المبدأ من أهم مبادئ الحوار، التي ينبغي تربية «العقل» عليه، إنْ كان هدفه الوصول إلى فهم الآخر، وكما يقول الله -عزَّ وجلَّ-: «وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ».


