رأيتُه لأوَّل مرَّة في مسجد الحيِّ الذي أسكنه، بملامحه الأوروبيَّة الصَّريحة، ولم تُفلِحْ لحيته الكستنائيَّة الخفيفة، ولا الثوب السعودي الذي يلبسه في إخفائها عمَّن يراه.
صلَّى خلف الإمام مباشرةً بخشوعٍ، وبعد الصلاة والتسبيح فتح المُصحف الشَّريف، وقرأ ما تيسَّر منه بلغةٍ عربيَّةٍ وتجويد لا بأسَ بهما لآيات ربِّ العالمين.
فاقتربْتُ منه، وسلَّمْتُ وتعرَّفْتُ عليه، وهاكم قصَّته باختصارٍ: إنَّه طبيبٌ ألمانيٌّ من مدينة هامبورج، التي رغم كثرة ما فيها من ملذَّات الحياة، فضلًا عن كرة القدم التي يلعبها جيِّدًا، وهو أصلًا يُشبه قيصر كرة القدم الألماني الرَّاحل فرانز بكنباور، ورغم اللَّهو الحلال، أو اللَّهو الحرام المُتاحَيْن لكلِّ إنسان هناك، ورغم أنَّه في الثانية والثلاثين من عمره، أي في مُقتبل الشَّباب، إلَّا أنَّه قد أسلم ببساطة، وقال عن سبب إسلامه: إنَّ بعض الألمان أسلموا بعد رُؤيتهم لمنامات حثَّتهم على اعتناق الإسلام، وبعضهم تأثَّروا بأحداث غزَّة، أمَّا هو فاعتنقه بالمنطقِ؛ لأنَّه الدِّين الوحيد الذي استطاع إقناعه بأنَّه الحقُّ، وغيره من الأديان هي إمَّا مُحرَّفة، أو مليئة بالشِّرك والخُزعبلات.
وسمَّى نفسه (عُمر) تيمُّنًا بالفاروق عمر بن الخطَّاب -رَضِيَ اللهُ عنهُ- وقرأ الترجمة الألمانيَّة للقرآن الكريم، وتعلَّم اللغة العربيَّة؛ لأجل أنْ يقرأ القرآن الكريم كما أُنْزِل على النبيِّ محمَّد -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وأوقفته آية «الكرسي» كثيرًا وتدبُّره فيها ساقه إلى الدِّين الحقِّ.
وجاء لأداء العُمرة، ثمَّ قرَّر تمضية بضعة أيَّام في فندق بجدَّة مُلاصق لمسجدٍ، فوجد ضالَّته في الإنترنت، وتحديدًا في حيِّنا ومسجده الصغير، وترك عيادته وضجيج دُنياه، وأقبل ينشد السكينة في سماع أذان، وأداء صلاة، وخشوع ركعة، وطمأنينة سجدة، وتلاوة قرآن كريم، والتعرُّف على المُسلمِينَ من كلِّ جنسيَّة، بلا تكبُّر على آسيويٍّ، أو إفريقيٍّ، أو عربيٍّ، فكلُّهم مسلمون، وأَكَرَمهُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاهُمْ.
وبعد أيَّام من التعرُّف عليه، رأيتُ فيه حرصًا شديدًا على صلاة الجماعة، ويقول عنها إنَّه تاه في الظُّلمات، فوجد فيها نورًا من الله، حتَّى أنَّه خصَّص نصف منزله الصغير في هامبورج كمسجدٍ له ولجيرانه من المسلمِينَ، ويقول إنَّه يغبط السعوديِّين لوجود الكثير من المساجد في ربوعها الشاسعة.
ولأنَّه طبيبٌ فقد انبرى بحثًا عن طريقة يخدم بها المرضى، فاستنصحني فأشرْتُ إليهِ أنَّ مستشفيات جدَّة الخاصَّة تحتاجُ حتمًا لأطبَّاء بانضباطيَّة واحترافيَّة ومهارة الأطبَّاء الألمان، فقرَّر حين يعود لبلده أنْ يتشاور مع زوجته المسلمة، ووالديه غير المسلمَيْن وأنْ يتقدَّم بسيرتهِ الذاتيَّة لأحد مستشفيات جدَّة للعمل فيها، فهل من مُستشفى يرغب بذلك؟ أنَا واسطته، أو فيتامين (واو) الخاص به!.
وفي فجر يوم عودته، جاء المؤذِّن للمسجد قبل نصف ساعة من الأذان لفتحه وتجهيزه للصَّلاة، فوجد عُمَرًا ينتظر عند الباب بفارغ الصبر من قبل ذلك، ولم يُبالِ بحرارة الجوِّ خارج المسجد، ولا داخله قبل تشغيل المُكيِّفات، وصلَّى عدَّة ركعات، وعيونه دامعة، ودعا ربَّه طويلًا، ثمَّ ظلَّ يقرأ القرآن الكريم حتَّى موعد الإقامة، وبقي في المسجد بعد الصلاة إلى ما بعد شروق الشمس، ثمَّ صلَّى الضُحى وغادر لفندقه القريب، ثمَّ للمطار، والعودة لبلده البعيد.
وأبو يونس، وهذه كُنيته، الآن أصبح صديقًا لي، ويُخطِّط للهجرة إلينا، إذا وجد وظيفة لدينا، وأسأل الله له التوفيق والثبات، فما رأيته منه يُثلج الصدور، وهو نموذج حي لروح ضالَّة قد اهتدت، ولنفس ضائعة قد عرفت طريق نجاتها، ولطبيب قاده علمه للهُدى وطريق الرُشْد، فسلامٌ عليه، وسلامٌ على الإسلامِ الذي يُعيد الإنسان لفطرته، وإلى صبغة الله الوليِّ الحميدِ.


