Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد أسعد خليل

المعايير الأساسية للقيادة الإدارية

A A
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتزداد فيه التحدِّيات على المستويات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، تبقى معايير القيادة الحقيقيَّة ثابتةً لا تتغيَّر؛ لأنَّها ترتكز على القِيَم الإنسانيَّة والأخلاقيَّة قبل أنْ تعتمد على المهارات الإداريَّة والتقنيَّة، وهذه المعايير لخَّصها القرآن الكريم في أربع كلمات، جاءت على لسان أنبياء الله وأوليائه، فكانت معيارًا خالدًا يصلح لكل عصرٍ وهي: القوي، الأمين، الحفيظ، العليم.

القوَّة التي نادى بها القرآن، لا تقتصر على القوَّة البدنيَّة، بل تتعدَّاها لتشمل قوة الشخصيَّة، وصلابة الموقف، والقدرة على اتِّخاذ القرارات الصعبة في الوقت المناسب، والقائد القوي هو الذي لا تهزُّه الأزمات، ولا يتراجع أمام الضغوط، بل يُحوِّل التحدِّيات إلى فرص في بيئة العمل. القوَّة تعني وضوح الرُّؤية، والقدرة على تحفيز الفريق، والتمسُّك بالمعايير المهنيَّة حتى في أصعب الظروف، ومع ذلك، فإنَّ القوَّة وحدها لا تكفي، إذ قد تتحوَّل إلى أداة بطش إذا لم تتوازن مع صفةٍ أُخْرى لا تقل أهميَّة عنها: الأمانة. الأمانة هي الميزان الذي يضبط استخدام القوَّة، وهي صفة تعني حفظ الحقوق، وصيانة العهود، والعمل بإخلاص وتجرُّد عن المصالح الشخصيَّة، القائد الأمين لا يسعى وراء مجده الشخصيِّ على حساب المصلحة العامَّة، بل يضع مصلحة مَن يقودهم في المقام الأوَّل، وهذه الصفة تخلق الثقة بين القائد وفريقه، وتمنح المؤسَّسة استقرارًا طويل الأمد؛ لأنَّ الثقة رأسمال لا يُشترَى ولا يُعوَّض إذا فُقِدَ.

الحفظ وهي صفة «الحفيظ»، التي وردت في قول يوسف -عليه السَّلامُ-، فهي تحمل في طيَّاتها معنى المسؤوليَّة العميقة عن حماية ما أؤتمن عليه الإنسان، سواء كان مالًا، أو أسرارًا، أو موارد بشريَّة، والحفظ يعني وضع أنظمة رقابة محكمة، وتطبيق إجراءات تمنع الهدر والفساد. في عالم المؤسَّسات اليوم، الحفيظ هو مَن يعرف قيمة كلِّ مورد بين يديه، ويحافظ عليه للأجيال القادمة، لا أنْ يستهلكه لمكاسب عاجلة.

العلم، هو الصفة التي تمنح القائد القدرة على اتِّخاذ القرارات السليمة، وفهم تفاصيل عمله، ومتابعة التطورات العلميَّة والتقنيَّة التي تُمكِّنه من الابتكار والاستباق، القائد العليم لا يتَّخذ قراراته على أساس الحدس وحده، بل يبنيها على بيانات وتحليلات ومعرفة متعمَّقة، العلم هنا ليس ترفًا، بل ضرورة لضمان أنَّ القوَّة والحفظ والأمانة تُوضع في المسار الصحيح.

الصفات الأربع ليست جُزرًا مُنفصلةً، بل هي حلقات في سلسلة واحدة، فالقوة بلا أمانة قد تتحول إلى استبداد، والأمانة بلا قوة قد تعني الضعف والعجز، والحفظ بلا علم قد يقود إلى الجمود، والعلم بلا حفظ قد يضيع في مشروعات غير مدروسة، وعندما تجتمع هذه الصفات الأربع في شخصيَّة واحدة، يكون لدينا قائد قادر على البناء والاستمرار، مهما تغيَّرت الظروف.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store