Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

التقنية.. بأخلاق سعودية!

A A
دخلت التقنية بيوتنا منذ زمن ليس بالقصير، تسلَّلت إلى كل تفاصيل حياتنا، وصارت شريكًا جبريًّا لنا في كلِّ شيء تقريبًا، من العمل إلى الدراسة، إلى التسوُّق، وحتى الاستشارة في شؤون الدِّين والحياة، ورغم أنَّها تخاطبنا دائمًا بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، إلَّا أنَّ الروح التي تقف خلف هذه التقنية ليست عربيَّة؛ بل هي هوية غريبة، ذات جذور مختلفة، لا تلتقط عمق تجربتنا، ولا تراعي ثقافتنا، ولا حتى خصوصيتنا الدِّينيَّة والأخلاقيَّة.

عندما تكون مستهلكًا، فمن الطبيعي أنْ لا يحق لك أكثر من هذا، ولا بُدَّ أنْ ترضى باتِّباع ثقافة المُنتِج؛ وشيئًا فشيئًا ستصبح مفرداتك دخيلة، وقِيَمك مشوَّشة، وستنحاز كل المعايير إلى ما صُمِّمت عليه تلك التقنيات من بيئاتٍ بعيدة عنك.. وهنا تكمن خطورة أنْ تترك عقلك وأبناءك يتعلَّمون من أدوات لا تُمثِّل هويتك، ولا تنطلق من قِيَمك.

الأسبوع الماضي بدأ المشهد بالتغيُّر، وتحديدًا عندما أعلنت شركة (هيوماين)، التابعة لصندوق الاستثمارات العامَّة، عن إطلاق تطبيق «هيوماين تشات».. ليست مجرَّد منصَّة محادثة جديدة، بل هي خطوة تحمل طموح أمة كاملة، وتطبيق صُمِّم من البداية ليتحدَّث بلساننا، ويفهم ثقافتنا، ويُخاطبنا من بيئتنا، لا من وراء البحار.

التطبيق مبني على نموذج «علَّام 34B»، وهو نموذج لغوي عربي، شارك في تطويره مئات الخبراء السعوديِّين، يدعم اللهجات المحليَّة، ويتيح البحث المباشر، وحتى التحويل السلس بين العربيَّة والإنجليزيَّة في المحادثة الواحدة.. لكن الأجمل أنَّه يستضيف بياناته داخل المملكة، ملتزمًا بأنظمتها وقوانينها.

ولأنَّ التقنية لم تعدْ مجرَّد وسيلة، بل جزء من تشكيل وعي الأجيال، فإنَّ امتلاكنا لأدواتنا الخاصَّة لم يعدْ خيارًا ترفيهيًّا، بل ضرورة وجوديَّة، فالمملكة بهويتها الإسلاميَّة، وثقافتها العربيَّة العميقة بحاجة إلى تقنيات تحمل أخلاقها وقيمها وروحها وهويتها، فليس من المقبول أنْ تُبنى عقول أبنائنا على منصَّات أجنبيَّة قد تُناقض ثقافتنا بالكليَّة، أو تتجاهل إرثنا الأخلاقي العظيم.

«هيوماين تشات» خطوة وطنيَّة، تعلن بها المملكة تحوُّلها لصناعة التقنية، لا استهلاكها، وسنرى في السنوات المقبلة -بإذن الله- جيلًا من المبرمجين والمبدعين الذين يبنون أدواتهم الخاصَّة، ويُغيِّرون وجه التعليم والإعلام والتواصل في المنطقة بأسرها، كمشروع حضاري متكامل، نكون فيه جزءًا من سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، لكن من موقعنا، بلغتنا، وبأخلاقنا.

(التقنية بأخلاق سعوديَّة)، ليست مجرَّد شعار، بل هي الترجمة العمليَّة لطموح وطن يريد أنْ يقود المستقبل.. بلغته، بقيمه، وبأخلاقه أيضًا.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store