Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
حليمة مظفر

.. دماغك «مُتعفِّن»..؟!

A A
بدايةً، إنْ لم تُكمل قراءةَ هذا المقال إلى نهايته، فهي إشارةٌ إلى أنَّ دماغَك بدأ في التعفُّن. ماذا لو قرَّبنا الصُّورة؟ لو أصاب العفنُ فاكهةً تُحبُّها.. سيقضي العفنُ عليها ويتلفها! ماذا لو تركت عضوًا من أعضائِكَ الداخليَّة مُصابًا بالتليُّف والضُّمور دون دواء؟! ماذا لو الدِّماغُ بدأ يتعفَّن، والخلايا فيه تضمرُ وتضعفُ.. هل ستتركه لتشيخ مبكرًا رغم صِغر السِّن؟!

معروفٌ أنَّ الدِّماغ بيولوجيًّا المسؤولُ عن العمليَّات العصبيَّة المعقَّدة في إدارة كافَّة وظائف الأعضاء الحيويَّة، والعمليَّات العقليَّة، ونقل إشاراتها العصبيَّة إلى معلوماتٍ تصل من وإلى الدِّماغ، عبر شجرة ضخمة من الأعصاب، ممتدة لمسافات تكاد تشبه مئات الأميال داخل الجسد الإنسانيِّ، هذه الأعصاب التي تُظهِر معجزةَ الخالقِ -عزَّ وجلَّ- فينا لقوله تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ)، مثلها مثل عضلات الجسد تمامًا، تحتاج إلى عناية وتمارين؛ كي تستمر كما تحمل العضلات جسدك بلياقةٍ لعمر طويل، وما عليك إلَّا مشاهدة الفرق بين اللياقة البدنيَّة لرياضيٍّ في السبعين، وآخر غير رياضيٍّ في ذات العمر، ومثله يُمكن قوله في اللياقة العقليَّة التي تنتج عن دماغٍ سليمٍ يتمتَّع بقدرةٍ فكريَّة تستمرُّ مع استمراريَّة الفرد في ممارسة النشاط الذهنيِّ المُحفِّز للعمليَّات العقليَّة، نحو القراءة مثلًا، أو حل الكلمات المتقاطعة، ولعبة الشطرنج، وغير ذلك.

لكن ماذا عن (عفن الدِّماغ)؟ الذي صَدَّره قاموس أكسفورد كمصطلح عام 2024؛ للفت الانتباه إلى نتيجة ما يشكِّله اليوم من انتشارٍ لـ(تعفُّن الأدمغةِ) البشريَّة؛ ولأنَّ الإعلامَ الجديد مشغولٌ بثقافة التَّفاهة وملاحقة مشاهير (الفجأة)، وحياتهم الفارغة، فقد تمَّت الإشارة إلى (عفن الدِّماغ) بشكلٍ محدودٍ إعلاميًّا، ولم تتم التوعية بهذه الحالة العقليَّة الخطرة -كما أعتقدها- والتي بدأت يُلاحظ انتشارها على مستوى العالم، من خلال حوارات، ومواقف الأفراد، وطريقة تفكيرهم السطحيَّة، وركضهم لمتابعة التفاهات على مواقع التواصل الاجتماعيِّ، وما تنقله من مقاطع فارغة وساذجة، لا تقدِّم أيَّ فائدة سوى انفعالات لحظيَّة متباينة.

راقب نفسك خمس دقائق فقط، وأنت تتنقل بين مقاطع التيك توك، أو السناب شات، أو الإنستغرام مثلًا، ستجد مع كلِّ مقطعٍ لحظيٍّ تبتسم، ثمَّ اللَّحظة التالية تتعجَّب، ثمَّ تغضب، وفي لحظة تحزن، وفي لحظة تشعرُ بالغِيرة... إلخ، كل هذه الانفعالات المتسارعة تمرُّ بها خلال خمس، أو عشر دقائق فقط! فماذا لو كان الفرد متسمِّرًا أمام مواقع التواصل المرئيَّة ساعتين متواصلتَين أو أكثر؟! كم هي اللَّحظات والانفعالات المشتَّتة التي سيعيشها؟! هذا الإفراط يُعوِّد الدِّماغ على التشتُّت، وإدمان هذه الحالة بالانهماك في المقاطع الرديئة، أمَّا المقاطع ذات المحتوى الهادف! فلن تتحمَّل ثوانيَ حتَّى تشعر بالملل، دون أنْ تكملها، وتنقر لتخطِّيها. تتوقَّع ما النتيجة؟!.

(تعفُّن الدماغ)، هذا ما أشار له قاموس أكسفورد، من خلال الخبراء، وهو تدهور مُفترض في الحالة العقلية، أو الفكرية للشخص، كنتيجة للإفراط، ومضي وقت طويل ومتواصل في استهلاك مواد/ محتوى إلكتروني تافه ورديء على منصات التواصل الاجتماعي، والنتيجة لهذا الإفراط - مع مرور الوقت- أنَّ خلايا الدِّماغ بما فيه من خلايا عصبيَّة، تبدأ بالضعف؛ لأنَّها تتعوَّد على عدم بذل جهد في التفكير، وضعف الاستيعاب، وضعف التذكُّر، وعدم القدرة على التحليل، أو حلِّ المشكلات، مع قلَّة التركيز، وتشتُّت الذهن، وكثرة النِّسيان، فيما الانفعالات اللَّحظيَّة تعوِّد الفرد على الانفعال السريع، مع ما يتعرَّض له.

فهل تشعر بما سبق؟ هذا يعني أنَّ الدِّماغ بدأ في التعفُّن، وعليك تنظيفه من رداءة مواقع التواصل الاجتماعيِّ؛ للحفاظ على أهمِّ عضو يُصاحبك في مشوار الحياة لتعيشها بشكلٍ سويٍّ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store