الأدب، لا يعني فقط الصناعة المُتقنة من الشِّعر والنَّثر، أو ما أنتجه العقل من ضروب المعرفة، بل يعني في الأساس، رياضة النَّفس بالتَّعليم والتَّهذيب، أي الخُلق الحَسن والسُّلوك الرَّاقي في التَّعاملات والعلاقات الإنسانيَّة كافَّة، هذا ما تجلَّى واضحًا في انتخابات جمعيَّة الأدب المهنيَّة في دورتها الأُولى، يوم الخميس 11 سبتمبر.
حضر الانتخابات عبر منصَّة زووم، معظم أعضاء الجمعيَّة العموميَّة، وأدار العمليَّة الانتخابيَّة لجنة الانتخابات برئاسة عبدالرحمن السيد -مع حفظ الألقاب- وعضويَّة خالد الباز، وأشواق بن رشيد، ومتابعة عبدالله مفتاح.
حضرتُ انتخاباتٍ حضوريَّة خلال انتخابات هيئة الصحفيِّين في دورتها الأولى، والانتخابات الأخيرة في نادي جدَّة الأدبي، التي حدثت فيها معركة بالأيادي، وارتفعت الأصوات نتيجة الصِّراع على كرسيِّ الرئاسة، كذلك تابعنا عبر وسائل الإعلام معركة نادي الأحساء، التي وصلت إلى المحاكم.. لذلك كنتُ وَجِلةً من انتخابات جمعيَّة الأدب، وهي تُعقد عن بُعد!.
كيف لا يحدث الصِّراع، وكلُّ مرشَّح بعد الفوز يتطلَّع للمنصب، وكلٌّ منهم قامةٌ وقِيمةُ أدبيَّةٌ وفكريَّةٌ، كما أنَّ الانتخابات عن بُعد -لا وجهًا لوجهٍ- ليمدَّ الحياء بساطه بينهم.
الانتخابات التي أجرتها جمعيَّة الأدب، أنموذجٌ لمستوى الوعي بالانتخابات، والمستوى الرَّاقي للأدباء الذي تجلَّى أوَّلًا: في تنحِّي الدكتور صالح زياد عن الكرسيِّ. كلُّنا نعلمُ أنَّ للكرسيَّ براغيَ وحبالًا وسلاسلَ غليظةً تُثبِّت الرَّئيس على كرسيِّ الرئاسة لأجلٍ غيرِ مُسمَّى.
هذا لا يعني أنِّي أعيبُ هذا، أو ذاك، فلكلِّ وقتٍ أذانٌ، كما يقولُون، ولكلِّ مرحلة ظروفها، لكن لأبرهن على قيمةِ الأدبِ (سلوكًا، ووعيًا، وممارسةً) في انتخابات جمعيَّة الأدب.
أردتُ أنْ أمحوَ تلك الصور القاتمة التي عايشنَاهَا كأدباء في مرحلةٍ مضت، وستمضي ذكراهَا، فحداثة التجربة الانتخابيَّة في تلك الفترة الفتيَّة من الانتخابات كانت لها دور في تلك الصور القاتمة، حتَّى الانتخابات البلديَّة لم تسلم من الصِّراعات والانتهاكات للقِيم الانتخابيَّة التي يجب أنْ يقبلَ بها الجميعُ، ويُبادر الخاسرُ بتهنئةِ الفائزِ، كما أنَّ الفائزَ لا يُنسيه الفوز وعودَهُ وعلاقاتِه، ولا يتَّخذ من المنافس عدوًّا، بل منافسًا شريفًا، مراعاةً للمصلحةِ العامَّة، المحك الأساس للفوز الحقيقيِّ.
الأدبُ تجلَّى أيضًا في تفاعل الأدباء الأعضاء، والتزامهم بتعليمات لجنة الانتخابات دون فوضى، أو تداخلات تعيق العمليَّة الانتخابيَّة، لذلك مضت في سلاسةٍ وشفافيةٍ وراحةٍ دون تعكيرٍ.
لم ينتهِ الأدبُ في انتخابات جمعيَّة الأدب، فقد تجلى في أبهي صورة، عندما تنازل الدكتور حسن النعمي عن رئاسة الجمعية فورًا ودون تأخير للدكتور سعيد السريحي.
في حال حصول اثنان أو أكثر على أصوات متساوية، والتنافس على الرِّئاسة، كان الحل رسميًّا -حسب القانون الانتخابي- طرح الأسماء الفائزة المتساوية في الأصوات للتَّصويت مرَّة أُخْرى، وما يتبعها من فرزٍ وإعلانٍ للنتيجة، كما أنَّ التصويت ربَّما يكون متساويًا أيضًا؛ لأنَّ الناخب الذي منح صوته للعضو الفائز، سيُعيد انتخابه مرَّة أُخْرى... وهكذَا.
لكنَّ النعمي أنهى الأمر بعبارة تقديريَّةٍ لاعتبار فارق السِّن بينه وبين السِّريحي، وعمق تجربة السريحي الأدبيَّة، قائلًا: «العينُ لا تعلُو على الحاجبِ»، جميع الأدباء المشاركون في العمليَّة الانتخابية يدركُون مكانة النعمي الأكاديميَّة والأدبيَّة، لذلك كان موقفه محطَّ إعجاب وتقدير، وأصبح الموقف هو الأبرز في انتخابات جمعيَّة الأدب في دورتها الثانية.
شكرًا للدكتور صالح زياد، على كلمته الأدبيَّة الوافية، وسلوكه الراقي، الذي سيصبح درسًا أخلاقيًّا لكلِّ مَن يتشبَّث بالمنصب، ولا يترك فرصة للآخرين لإحداث تغيير، وتجديد أساليب إدارة أيِّ كيان. شكرًا للَّجنة المُشرفة على الانتخابات؛ على إدارتها المُتقنة، شكرًا للأدباء الذين أثبتُوا أنَّ الأدب ليس -فقط- إنتاجًا أدبيًّا، بل هو سلوكٌ أخلاقيٌّ.
كما أُسجِّل شكري باسمي، واسم عضوات نادي صالون الكلمة للدكتور الرَّاقي عادل خميس الزهراني، الذي له الفضل في انضمامنا لعضويَّة جمعيَّة الأدب، وبلورة فكرة نادي صالون الكلمة. كذلك شكري وتقديري للأستاذ عبدالله مفتاح، المدير التنفيذي لجمعيَّة الأدب، لتواصله الرَّاقي مع أعضاء الجمعيَّة العموميَّة دون رسميَّة متكلِّفة بأدبهِ الجم، وبساطته الرَّاقية.


