ماذا قصدَ المبعوثُ الأمريكيُّ إلى لبنان وسوريا، توم باراك، من نفيه وجود الشرق الأوسط؟ وأنَّ الذي يُوجد -حسب زعمه- هو قبائل وقُرى وقوميَّات، قد أنشأتها اتفاقيَّة سايكس بيكو؟ تلك الاتفاقيَّة التي حصلت في عام ١٩١٦م بين بريطانيا وفرنسا، وبموافقة من روسيا القيصريَّة؛ لاقتسام تركة الدولة العثمانيَّة، وتقسيمها بعد هزيمة هذه الأخيرة في الحرب العالميَّة، كما قُسِّمت كعكة الشوكولاتة!.
وماذا قصدَ أيضًا من قوله: إنَّه من الوَهْم أنْ تتَّفق ٢٧ دولةً مُخْتَلَقَة (يعني دول الشرق الأوسط، وعلى رأسها الدول العربيَّة) على مفهوم سياسيٍّ واحدٍ، بما فيها من ١١٠ مجموعة اِثْنِيَّة مُختلِفَة!.
دعونِي أجبكُم بصراحة، إنَّه يقصدُ أنَّ دول الشرق الأوسط تحتاج إلى دولةٍ واحدةٍ تُدير شؤونَها، وبالطبع فإنَّ هذه الدولة الأكفأ -من وجهة نظره- هي إسرائيل، ويُراد لها أنْ تحكم الشرق الأوسط سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، وأنْ تكون كُبْرى بالتوسُّع ومزيدٍ من الاحتلالات، وأنْ تتحوَّل من طول قلم صغير موجود على طاولة كبيرة، إلى مساحة الطاولة نفسها، أي تكبيرها بعشراتِ المرَّات على حساب العرب والمسلمِينَ!.
وهذا المبعوثُ يظنُّ نفسه فوقَ القانون الدوليِّ، وفوقَ الأعرافِ الدبلوماسيَّة، ومهمَّته هكذَا ستكون إشعال الحرائق، وليس بناء الجسور، وهو يخالف اتفاقيَّة فيينا بشأن المبعوثِينَ، ويتدخَّل في شؤون الدُّول التي يُبعث إليها، وينتقصُ من سيادتها، وينحازُ لإسرائيلَ، ويُلمِّحُ بتنصيبهَا حاكمًا للمنطقة!.
وأفضل إجراء يمكن عمله من دول الشرق الأوسط، هو طرد ورفض التَّعامل مع هذا المبعوث، وهذا حقٌّ من حقوقها، واعتباره من الأشخاص غير المرغوب فيهم، ممَّن يتصرَّفون كأوصياء على الشُّعوب الأُخْرى، وتصريحاته المتعجرفة تُسْقِط حقوقه الدبلوماسيَّة، كما أنَّ احترام الدول الأُخْرى يُعتبر واجبًا إلزاميًّا عليه، فإنْ لم يمتثل لذلك، فالأجدر هو عودته لبلاده، وحلُّ ما فيها من مشكلات اِثْنيَّة هي أكثر ممَّا يوجد في الشرق الأوسط، وهو سفير لا همَّ له سوى خدمة إسرائيل، وإعلاء شأنها بتزوير التاريخ والجغرافيا، وهو عرَّاب لسايكس بيكو أجدد وأخطر!.


