Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
حليمة مظفر

غزة.. وكرة الثلج

A A
وافقت أخيرًا «حماس» على الخطَّة الأمريكيَّة، وتسليم الأسرى، كما أعلنت بالأمس، وقد كانت فرصتهم الأخيرة، كما قال لهم ترامب، إذ ليس أمامها سوى الاستسلام، أو الانتحار، لكن الأهم هو أنها وافقت؛ كي تنتهي المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، ولهذا عقب إعلانها طالب ترامب إسرائيل بوقف فوري عن قصف غزة.

إنَّ 20 بندًا في الخطَّة التي تقدَّم بها الرئيسُ الأمريكيُّ «دونالد ترامب» كانت كفيلةٌ بوقف فوريٍّ للحرب في قطاع غزَّة فور موافقة كلٍّ من «حماس»، وإسرائيل على الخطَّة، يلي ذلك الإفراجُ عن جميع الرهائن الإسرائيليِّين المحتجزِين، ومئات المعتقلِينَ الفلسطينيِّينَ، وقد رحَّبت بها كلٌّ من السعوديَّة، وقطر، والإمارات، ومصر، وإندونيسيا، وتركيا، وغيرها من الدول العربيَّة والإسلاميَّة، ونصَّت على أنْ تكون غزَّة منطقةً خاليةً من السلاح، مع تعليق كلِّ العمليَّات العسكريَّة فيها، وأنْ ينسحبَ الجيشُ الإسرائيليُّ منها على مراحل، يُتفق عليها مع قوَّة الاستقرار الدوليَّة التي ستتولَّى أمرَ غزَّة؛ بهدف أنْ تكون غزَّة آمنةً، ولا تشكِّل تهديدًا لإسرائيل، كما تنطوي على تأسيس «هيئة انتقاليَّة» في غزَّة مكوَّنة من فلسطينيِّين تكنوقراط، وخبراء دوليِّين بقيادةٍ دوليَّة، أسوةً بما حصل في كوسوفا وتيمور، مهمتها الرئيسة تعزيز الأمن في غزَّة، وإعادة إعمار القطاع، وإدارة شؤونه الداخليَّة، والتمهيد لبدء تحقيق حلِّ الدَّولتَينِ، لتنتهي الخطَّة بتوحيد جميع الأراضي الفلسطينيَّة تحت مظلَّة السلطة الفلسطينيَّة، وتسليمها لها، مع عدم تهجير أهل غزَّة، وهذه الغاية التي نطمح لها في العالم العربيِّ والإسلاميِّ بشكلٍ خاصٍّ، خاصَّةً وأنَّ مسألة تهجير أهل غزَّة هي شرارة حرب من الممكن أنْ تشتعل في منطقة الشرق الأوسط.

إن الخطَّة بارقةَ أملٍ عربيٍّ وعالميِّ لإنهاء المأساة الإنسانيَّة في «غزَّة» الحاصلة منذ عامين، والتي لا تصبُّ إلَّا في صالح كلٍّ من نتنياهو، وحماس، فاستمرار نتنياهو كفيلٌ بتهرُّبه من المحاكمة جرَّاء جرائمه وفساده، أمَّا حماس الحرب تصنع لها بطولةً مزيَّفةً على حساب دماء أطفال ونساء غزَّة الذين سلَّموهم لإسرائيل كأدرع بشريَّة، واستمرارهم فيها يشعرهم بهذا الزهو السلطويِّ، خاصَّةً وأنَّ السَّلام الآن في غزَّة وحلَّ الدَّولتَينِ يعني تنحيتهم من السلطة الفلسطينيَّة نهائيًا، والتي تسبَّبُوا في سجن مليوني فلسطينيٍّ في القطاع لسنواتٍ طويلة مقابل استمرارهم فيها.

إنَّ الموافقة على الخطة لحظة حاسمة في حياة أهل غزة، ممن يعانون ظروفًا قاسية، ومجاعة لا ترحم، جراء الإجرام الإسرائيلي في القطاع، وتشكل قارب النجاة لهم، والكرة الآن لدى الحزب المتطرِّف النتنياهوي يقلِّبها على جمر من الغيض، ومضض، رافضًا الاعتراف بالدولة الفلسطينيَّة وعدم تهجير أهل غزَّة منها، كما أنَّ الخطَّة لا تخدم مطامعهم في ضم واحتلال غزَّة، والضفَّة الغربيَّة، لهذا فإن تنفيذها من قبل الإسرائيليين لن تكون بهذه السهولة، ولن يخلو الأمر من المكر ولا يؤمن جانبهم خاصة وأن الخطة بها ثغرات، لكن صورة إسرائيل الدوليَّة تهشَّمت لدى الشعوب، وباتت منبوذةً، وتعاني عزلةً سياسيَّةً ستتفاقم مع رفضها لهذه الخطَّة، أمَّا حماس فلم يعد لها اليوم داعمون، ونظرًا لما تعانيه إيران بعد حربها مع إسرائيل والعقوبات، فإنَّها ليست في ظروف تسمح لها بدعم حماس، كما في السابق، ولهذا كانت الموافقة أمرًا حتميًا لتجعل إسرائيل في مواجهة مع ترامب بدلا منها.

أخيرًا، نأمل فعلا أن يتم الالتزام بالخطة من الجانبين دون تلاعب أو مداهنة من حماس وإسرائيل، لأن استمرار الحرب في غزَّة أشبه بكرة الثَّلج التي تتحرَّك وتكبر، ليس في منطقة الشرق الأوسط فقط، كما يعتقد الذين يبعدُون جغرافيًّا عنها، بل حتَّى أوروبا، والتي لا تعيش ظروفها الجيدة حاليًّا في ظلِّ خلافاتها مع روسيا؛ بسبب أوكرانيا، ولهذا إيقاف الحرب مسألة ضروريَّة وملحَّة؛ لتعزيز الأمن في العالم أجمع، وليس فقط للعالم العربيِّ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store