Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
علي أبو القرون الزهراني

عبدالواحد.. طوّع الشغف وتسيد الحرف..!!

A A
.. من هناك، من «الدركة»، القرية الخزمريَّة الريفيَّة الحالمة الغافية في أحضان جبال السروات، حيث جمال الطبيعة وكل ألوان الطيف، المروج والسواقي، وعناق الريح والسنابل، وشذى التبر والعثرب. تقترب أكثر من زوايا بيوت الحجر، فيصافحك مرور قوافل الشموس، وجباه الرِّجال المضمَّخمة بسرديَّات الكرم والشجاعة والنخوة، وبريق الحرف والسيف..!

*****

.. في مساء شتويٍّ سرويٍّ اغتسل بحبَّات المطر، وارتعد بالبرد، وتدثَّر بالضباب، تبدَّى «سعود» من أطراف القرية محتزمًا بجنبيَّته متوكئًا على عصاه، وهو يسير على طرف العراق، ويتمتمم ببقايا قصيدة.

وفجأةً صاحت نسوةُ القريةِ مبشِّرات: يا سعود جاك ولد، أسرع سعود إلى البيت، احتضن وليده، وراح يتأمَّله طويلًا.. طويلًا، وكأنَّه يتهجَّى في وجهه الصَّبوح حلم معرفة، ورمزيَّة حرف، وقال: اسمه «عبدالواحد»..!

*****

.. وجاء «عبدالواحد» بوجهٍ نصفه حلم، ونصفه الآخر شغف، وفي برديه كينونة إنسان في كيانٍ جمعيٍّ.. واكتسب في شخصيَّته «استثنائيَّة تعدديَّة» تحيِّرك من أين تأتيها؟.

ويبدو أنَّ هذه (الاستثنائيَّة التعدديَّة) استنهلها عبدالواحد من نهجه العلميِّ، بدءًا من تخصُّص (الرياضيَّات)، وانتهاءً (بالتربية)، فكأنَّه في مكتسب الذات يجمع ما بين الحسبة والقيمة..!

*****

.. وبين يدي عبدالواحد.. دعوني أبدأ (بعبدالواحد كما عرفته)، عشرات السِّنين عرفتُه فيها، عشتُ معه في سيرةٍ وتعايشتُ معه في مسيرةٍ، وفي كلِّ مراحله وأحواله، لم أجد منه وفيه إلَّا ذلك الأخ الوفي والصديق الحفي، يأسرُكَ بابتسامةٍ شفافةٍ، وبخلقٍ كريمٍ، وبنخوةٍ فارهةٍ، وبمعشرٍ حَسَنٍ.

ومَن كانت هذه سماته وسمته، فإنَّه الحريُّ أن تتلاقى عنده القلوبُ، ويستجمع حوله الحب.

ولهذا كان عبدالواحد من الشخصيَّات الفارقة، التي تحافظ على كل التوازنات داخل عمقها المجتمعيِّ..!

*****

.. وفي المسار الأكاديميِّ، فإنَّ له فيه بزوغًا ونبوغًا رغم محاولة طغيان الشِّعر عليه.

اقتربتُ من عبدالواحد كثيرًا في هذا المجال، فوجدت فيه حلمَ أُفقٍ، وشغفَ بُعدٍ، ورغبةَ وَجْدٍ، نهم لا يتوقَّف، بحث واستقصاء ودراسة، يتابع المعلومة حتَّى وإنْ كانت خارج الوطن.

ومَن يتتبَّع مسيرته التربويَّة والأكاديميَّة، وسرعة تتالي درجاتها وإنجازاتها من كليَّة معلِّمين، إلى ماجستير، إلى دكتوراة، ثمَّ بروفيسور، يدرك مقدارَ طموحِ هذا الرجل..!

*****

.. وعن شعر عبدالواحد، فيكفيه ما حازه فيه من سموٍّ وسموقٍ.

عبدالواحد شاعرٌ استثنائيٌّ، مسكونٌ بالهمِّ الإنسانيِّ والمجتمعيِّ والوطنيِّ، قصائده بصمة تعيش في الذاكرة وتتناقلها الأجيال، ينحَى إلى الوضوح أحيانًا؛ كي يستوعبَ المجتمعُ مشكلاته، ويستوعبها معه المسؤولُ، ويلوذ بالرمزيَّة حينًا حتى يترك للمتلقِّي تفسيرهَا..!

*****

عبدالواحد أخرج القصيدة من نطاقها النمطي التقليدي الضيق المتكلف في مديح الشخوص إلى افاق أرحب وفضاءات جديدة لم تشهدها القصيدة من قبل.

الغى الفواصل الزمنية في المراحل الشعرية من خلال الارتقاء بثلاثية (الذائقة والهم والطرح)، فكان بحق أحد رواد التحديث في مخرجات شعر العرضة.

*****

.. أخيرًا.. مساء الجمعة المقبل، تكريم عبدالواحد، وهو تكريمٌ مستحَقٌّ، والغريب ألَّا يُكرَّم عبدالواحد، وهو بهذه الهالة، والقامة، والمكانة..!

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store