Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

مفارقات الحياة

A A
المفارقةُ، هي عبارةٌ، أو فكرةٌ، أو موقفٌ يبدو متناقضًا، أو غيرَ منطقيٍّ!.

مفارقات الحياة هي المواقف المتناقضة، التي نواجهها في حياتنا اليوميَّة، فالحياة تمضي أحيانًا في اتِّجاهات غير متوقَّعة، ومليئة بالمفارقات، لذلك يتأثَّر بها الإنسانُ.

منذُ أنْ فهمَ الإنسانُ، ورغبَ، وتمنَّى، وتذكَّر، وهو يحاولُ فهم موقعه، أو وضعه في قلب الحياة، هل هي معه، أو ضدَّه؟ هل هو من بين خلق الله، اختارته لتولِّي وجهها عنه، كلَّما أقبلَ عليها، وظنَّها ستحتضنه، وتُرَبِتْ على كتفه، لكنَّه يُفاجأ بأنَّها صفعته صفعةً قويَّةً أطاحت بأهدافهِ وأحلامهِ وأمنياتهِ؟.

نأتي ونمر من هذه الحياة دون أنْ ندركها، ونفك طلاسمها، نواجهها بعزم وحزم؛ كي نتمكن من التغلب عليها، لكن الحياة أكبر من الإنسان، وأعمق من قدرتهِ على التعامل مع ما يصادفه في مسيرته، أو في يومه من مفارقاتٍ تبدو له كأنَّ الحياة اختارته من بين خلق الله لتناكفه، وتعاكسه أينما ولَّى وجهَهُ!.

الوعي بجوهر الحياة، يأتي بعد رحلةٍ طويلةٍ من التَّعليم والتعلُّم، واكتساب الخبرات العميقة، ومواجهة المواقف المختلفة، واستيعاب قدر النجاحات، وأهميَّة الإخفاقات، مع ذلك لن تتمكَّن من الإدراك الكامل للعبة، أو مراوغة، أو مفارقات الحياة.

لستَ وحدَك، ولستُ وحدِي، كلُّ إنسان يخوض تحدِّيات كثيرة في حياته، أو في مراحل من حياته، هذه المقالة ليست لفهم لعبة، ومراوغة ومفارقات الحياة، بل لتبادل المواقف والتجارب التي مررنا بها في الحياة!.

نتذمَّرُ أحيانًا من معاكسة تفاصيل يوميَّة بسيطة تمرُّ بنا، ونظنُّ أنَّ حظَّنَا سيِّئٌ، وأنَّ الحياة ضدَّنا؛ لأنَّنا لا نحسبُ كثيرًا من التفاصيل التي مرَّت بنا، ومررنا بها كالماء الزُّلال!.. والنجاحات التي حققناها، والمرَّات الكثيرة التي جاءت الحياة طوعًا بين أيدينا!.. بل نظنُّ أنَّ الحياة اختارتنا نحنُ من بين خلق الله؛ لتعاكس رغباتِنَا وأمنياتِنَا، حتَّى تلك الأمور اليوميَّة أو الوقتيَّة السَّريعة التي تأتي على خلاف ما تصادفنا في أوقاتٍ أُخْرى، لا نكونُ في حاجةٍ إليها. ولنبدأ من الأبسط، كتذكُّر عنوان كتاب، أو اسم كاتب، أو عنوان فيلم، أو اسم بطل، أو ممثِّل مثلاً في سياق حديث بين أهلك أو أصدقائك، ولكنَّك لا تجده، مع أنَّه يُراوغك فتقول كالمعتذر: على طرف لساني!.

كأنَّ الأمر يتحدَّاك ويسخر منك؛ لأن تلك الأسماء والعناوين محفوظةٌ على سطح ذاكرتك، الأمر الذي يضعك في حرج أحيانًا، ويوقف تدفُّق حديثك، وعندما تنتهي الحاجة إليها؛ تتدفَّق في عقلك، وكأنَّك تحفظها عن ظهر غيب!.

ربما نحيلُ الأمرَ إلى ضعف الذاكرة، أو السنِّ، أو غير ذلك من الأمور، لذلك سأضربُ أمثلةً أُخْرى تُوضِّح مفارقات الحياة بشكل أكبر!.

أحيانًا تركضُ خارجًا مبكِّرًا؛ لتلحق بموعد اجتماع، أو دعوة، أو موعد طبيب، أو طائرة، والمواعيد كثيرة ومتعدِّدة التي على الإنسان الالتزام بها، إلَّا أنَّك تجد الشوارع مزدحمة، والطريق يعرقل وصولك المبكِّر، وأنت تحسب الوقت، لكن الدقائق تمضي سريعةً، وأنت مكانك سر!.

تعمل حسابك مرَّة أُخرى، تخرجُ مبكِّرًا جدًّا، تمنح نفسك متَّسعًا من الوقت للوصول في الموعد، إلَّا أنَّ الطرقات كأنَّها فُتحت لك، وأُفرغت من أجلك. المشوار الذي حسبت له نصفَ ساعةٍ مثلًا؛ قطعته في عشر دقائق أو أقل! فتقع في حرجٍ أنَّك حضرتَ مبكِّرًا أمام صاحب الدَّعوة، الذي لم يستعد، أو أنَّك تنتظرُ كثيرًا، كان يمكنك الاستفادة من وقت الانتظار المُهدر، لكنَّها مفارقة صغيرة من مفارقات الحياة!.

في المرَّة المقبلة تحسبُ الوقت بدقَّة، إلَّا أنَّك تجد الشوارع تعاكس وقتك ومواعيدك، وكأنَّها متربصةٌ بك أنت فقط.. عدا عن الفرص التي تهربُ منك عندما تتهيَّأ لها، وتجدها في متناول يدك، عندما لا تكون مستعدًّا.

كم فرصة في حياتك هربت منك وأنت تلاحقها، ثمَّ أتت طوعًا عندما انتفت الحاجة إليها؟ تجد مَن يُحبك دون أنْ تقدِّم له شيئًا، وفي ذات الوقت تجد من يُعاديك رغم أنَّك قدَّمت له كلَّ شيءٍ، حتى المحبَّة!.

لا تظنُّ أنَّك غيرُ محبوبٍ، لكنَّك وقعت بين مفارقات الحياة بشكلٍ متكرِّرٍ وسيئٍ، ربما في أوقات متقاربة، ليس لأنَّك سيِّئ الحظِّ، بل لأنَّ الحياة تُداعبُك وتلاعبك!.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store