Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. ساري بن محمد الزهراني

وجه آخر للشاعر «عبدالواحد بن سعود»

A A
* بصرف النَّظر عن موقفي فيما يُسمَّى بالشعر الشعبيِّ، أو شعر العرضة، كما يحلو للبعض إطلاق هذه التسمية؛ إلَّا أنَّني أؤمنُ بأثر هذا النوع من الفن الشعبيِّ؛ بوصفه صوتًا له أثره في حياة العامَّة.

* وجه آخر، يغيب عن بعض الأسماء، بما تملكه من حظوة في حياة النَّاس، ومع ذلك فليس شرطًا لازمًا أنْ يبحث المجتمعُ عن الوجه الآخر لنا، فلكلِّ واحد منَّا وجه آخر، لا يعرفه -حقَّ المعرفةِ- إلَّا أهله وخاصَّته، وقد لا يعرفُونَه معرفة تقريب، ولا تحقيق. * وهذا صحيح من جهة، ولكنَّه ليس بالصَّحيح من جهة ثانية، فقد يكون هذا الوجه مطمورًا حتَّى عن الشخصيَّة نفسها، وغائبًا عن جملة مُريديه، وعن أهله وخاصَّته، وإنْ زعموا خلاف ذلك.

* الكاتب الأمريكي (وندل هولمز)، كان محقًّا حينما قال: إنَّ الإنسان -أيَّ إنسان- إنَّما هو ثلاثة أشخاص في صورة واحدة.

الإنسان كما خلقه الله، والإنسان كما يراه النَّاس، والإنسان كما يرى هو نفسه.

فمَن هو يا تُرى (عبدالواحد بن سعود) من بين أولاء الثلاثة..؟

* تقريبًا، منذ عشر سنوات، بادرني «عبدالواحد» بالاتِّصال مشكورًا، ثمَّ التقينا تباعًا دون انقطاع، ومن اللَّمحة الأولى من ذاك اللقاء، تمثَّل لي كل طوية لهذا (الرجل)، بما تحمله (شخصيَّته) من نقاءٍ داخليٍّ، وصفاءٍ وجدانيٍّ، قلَّ أنْ تجدهما فيما عرفتُ، أو التقيتُ.. أقولُ ذلك تحقيقًا، لا تخمينًا.

* ومنذ تلك السنوات، كنَّا نلتقي معًا تارةً في بعض الاجتماعات الرسميَّة، وتارةً نلتقي معًا في زيارات خاطفة، وتارات كثيرة مع اثنين من خُلَّص الأصدقاء وخاصَّتهم.

ولكنَّني مع كل ما سبق، أستطيعُ القول عن (عبدالواحد)، وأنا مطمئن فيما أقولُ، دون أنْ (يبوح هو): إنَّ كلَّ عصب يسري في داخله، وكلَّ ما يتهدَّج به صوته، ويتلاحق في نبراته، يعبِّر عن جانبين مترابطين، هما:

- حزن مدفون، يشفُّ ولا يُرى، تكاد أنْ تنبشه نبشًا من تحت ركام الرَّماد وبقايا الجمر!!

- ألم مطمور، لا يكاد يُستبان حتَّى براه الزَّمن، فكواه بالصبر والمصابرة، وإنْ بقي جذوة حرَّى في حالات، والوحدة والعزلة والانفراد.

* أدوار لا تتسلسل على اطِّراد واستواء..

* هو ذاك، صعود فهبوط، وهبوط فصعود.. أدوار متعاقبة، يكشف مبدأها عن آخرها، ولكنَّها تشي -كما أعتقدُ- بنموذج مختصر لأدواره في سياقات العمر كله، منذ الطفولة حتَّى ساعة كتابة هذه الكلمة.

* طور واحد من الآراء في الحياة والإنسان والمجتمع على مدى أكثر من أربعين عامًا، يوشك أنْ يكون شعره، بل كل جملة من نظمه أنْ تسير على نسق واحد، وأسلوب واحد، ما عدا ما تقتضيه المرانة الطويلة من تيسير النَّظم في نهاية الشوط، بعد تعسُّر فيه عند الابتداء حال الإجادة والاستحسان.

* قال (عبدالواحد) شعرًا شعبيًّا.. كان له صداه ووهجه، فلاكته ألسنة العامَّة، وبعض الخاصَّة، فبارى به بعض الأحداث، وسجَّل من خلاله صوت المُوجِعات؛ ما سيبقى سجلًّا يعين على تدبُّر الأحوال والتحوُّلات.

* وقال بعض (القول..!!)، يحسبهُ الجاهلُ شعرًا.. قاله في المجالس الخاصَّة بمعانٍ مكرورةٍ، ومقولاتٍ مجترَّةٍ على سبيل المجاملة والرضوة والحضور.. وما أكثر ما يجامل على حساب نفسه، وحساب شعره، بصفاء قلب، ونقاء سريرة، فكانت تلك (الأقوال) خصمًا على جودة ما يقول به من شعر، فضلًا عن معانيه الشعريَّة.

* فالشاعر صاحب خيال وعاطفة.. وكلاهما صفتان متلازمتان، فإذا ما خلا الشعر من الخيال، فقد استحال إلى نظمٍ كنظم ابن مالك في ألفيَّته، وإذا ما غابت العاطفة، فقد تلاشت آيات الشعور، فلا وجود لشعر هنا، ولا شعور هناك.

* أفهمُ تمامًا أنَّ بعض ما قِيل في هذه الكلمة، قد يُغضب البعض، ولكنَّني أؤكِّدُ تأكيدين مترابطين أنَّه ليس يضيرني أنا أنْ يزيد عددُ الشعراء الشعبيِّين واحدًا أو اثنين، أو حتَّى ألفًا أو ألفين، فقد وسع تراب الأرض، ويسع كذلك للشعراء، كما يسع -أيضًا- لأنصاف الشعراء، ومَن لفَّ لفَّهم من المُتَشيعِرةِ منذ أنْ علَّم اللهُ آدمَ الأسماءَ كلَّهَا.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store