Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
نبيلة حسني محجوب

الحب.. في صالون الكلمة الثقافي

A A
لَيس مَجَازًا ما عَنيتُه في العنوان، بل حقيقة؛ شَعرَ بها كلُّ مَن حضر لقاء صالون الكلمة الثقافيِّ؛ مع المثقَّف الكبير الأستاذ أحمد باديب، الأحد 12 أكتوبر، في قاعة الشيخ إسماعيل أبوداود، جمعيَّة الثقافة والفنون بجدَّة.

«ماهيَّة الحب والأُلفَةِ والأُلَّاف في طوق الحمامة لابن حزم»، كان العنوان الرئيس، لكنَّ اللقاء كان أكبر من العنوان، بالحضور المتدفِّق المتشوِّق للحبِّ، والتعرُّف على ماهيَّته، الحضور المحبِّ للشخصيَّة الكاريزميَّة للأستاذ أحمد باديب، الحضور المحبِّ للمعرفة، والمحبِّ للقاءات صالون الكلمة.

صالون الكلمة الثقافي الذي لم يُولد من فراغ؛ بل هو مُكتنز خبرة طويلة امتدَّت على مدى أحد عشر عامًا؛ الامتداد الطبيعي للصالون الثقافيِّ بأدبي جدَّة، الذي حقَّق نجاحات متواصلة منذ انطلاقته، بذات الفكر والعضوات اللاتي اجتمعن على قلبٍ واحدٍ مُحب وطني، يُقدِّم وجبةً ثقافيَّةً ماتعةً لحضوره الوفيِّ، الذي أثبت وفاءه وانتماءه لفعاليَّات الصالون الثقافيِّ تحت أيِّ مظلَّة.

فالانتماء للحرفيَّة والاتقان والقدرة على استقطاب المتحدِّثين المتميِّزين، الذين يمتلكون القدرة على إشباع شغف الجمهور للمعرفة.

كثيرة هي الفعاليَّات التي يحسبها القائمون عليها «كميًّا لا كيفيًّا»!.

الفعاليَّة التي تُحسَب هي التي تُحقِّق نجاحًا وتوافقًا بين الموضوع والمُتحدِّث، والمُحَاور والحضور.

التقيتُ في إحدى الفعاليَّات الثقافيَّة بأحد الشَّباب المثقَّف، الذي يدير مقهًى ثقافيًّا، سألته عن كيفيَّة اللقاءات، لكنَّه اهتمَّ بالعدد، فكوَّنتُ فكرةً وافيةً عن هذا الاندفاع لتأسيس مقاهٍ ثقافيَّة دون خبرةٍ سابقةٍ، أو معرفة باحتياجات المجتمع بالنسبة للموضوعات، كذلك معرفة المثقَّفين -أدباء، وأكاديميين- المتمكِّنِينَ من اجتذاب الحضور؛ لعقد رباط الانتماء والولاء للملتقى أو المقهى، بالحرص على حضور الفعاليَّات ويُغادرونها وهم في أوج الرِّضا والسعادة، ولديهم معلومات وافية عن الموضوع المطروح في اللقاء.

على قدر مكانة الضَّيف، وأهميَّة الموضوع، وإدارة اللقاء، تأتي المداخلات ثريَّةً، تُثري اللقاء، وتُمثِّل إضافةً مهمَّةً؛ لأنَّها تستفزُّ معلومات المتحدِّث، فتكشف كنوزه المعرفيَّة المختبئة داخل الوعي والذاكرة، كما حدث في لقاء الحبِّ مع باديب.

في لقاء الحبِّ في صالون الكلمة، استطاع باديب أنْ يُحلِّق بالحضور في آفاق الحبِّ، مبتدئًا من محبَّة الله -عزَّ وجلَّ-، وأنَّ الحبَّ الإنسانيَّ موجودٌ في كتاب الله، كما هي كل التفاصيل المتعلِّقة بحياة البشر، وعلاقاتهم وأفئدتهم.

فؤاد «أم موسى»، الذي أصبح فارغًا، كما وصفه الله -عزَّ وجلَّ- في كتابه العزيز، هو أصدق صورة للحبِّ، حب الأُم. سيدنا موسى -عليهِ السَّلامُ- ونجاته من القتل، الذي أمر به فرعون لكلِّ وليد يُولد حديثًا لبني إسرائيل؛ لأنَّ الله -سبحانه وتعالى- أنزل محبَّته في قلوب الخلق، «وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي»، فكل مَن يرى سيِّدنا موسى -عليهِ السَّلامُ- يقع في حُبِّه، فأحبَّته السيِّدة «آسيا» امرأة فرعون، وكذلك ابنته، وكلُّ مَن نظر إليه.

فالحبُّ كما يقول باديب: سرُّ الوجودِ، وامتحانُ الحريَّةِ.. والحبُّ أوسعُ من أنْ يُحْصَر في صورة العشقِ الرومانسيِّ بين رجل وامرأة، إنَّه شعور بتجاوز الحدود، ليشمل حبَّ الإنسانِ للهِ -سبحانه وتعالى- للحياة، للعمل، للوطن، للعلم... أكثر صورة وضوحًا عند الناس هو الحبُّ العاطفيُّ، الذي يربط شخصين بعلاقة وجدانيَّة عميقة.

يؤكد باديب أنَّ الحب ليس قرارًا عقلانيًّا خالصًا.. بل هو انجذاب روحي وعاطفي، قد يحدث فجأةً بلا مقدمات. كذلك أكَّد على أنَّ المودة هي الوجه العمليُّ للحبِّ، كما أنَّ الرَّحمة هي البُعد الأخلاقيُّ للمشاعر. وضرب مثالًا واقعيًّا من حياتنا اليوميَّة، الزَّواج أوثق رباط بين اثنين لبناء الأسرة، فالمودَّة هي الحارس الأمين، إذا خَبَت حرارة العشقِ بمرور السِّنين، والرَّحمة هي الضمانة الأخيرة حين تتعرَّض العلاقة للاهتزاز. أمَّا الصداقة، فهي حبٌّ بدون مصلحة، فالصداقة الحقيقيَّة هي أحد أرقى أشكال الحبِّ غير المشروط. الأبوَّة والأُمومة هما النموذج الأوضح للمشاعر الفطريَّة؛ التي لا نملك قرار نشأتها.

مفردات ومعانٍ كثيرة وعميقة للحبِّ، طرحها المُتحدِّث في لقاءِ الحبِّ؛ مشمولة بالقصص والحكايات وأبيات الشعر، كما أنَّ الأستاذ أحمد باديب يمتلك روحَ الفكاهة، وصناعة «الإفّيه»، وهي كلمة فرنسيَّة تعني «تأثير»، وتُستَخدَم في اللَّهجات العاميَّة بمعنى جملة، أو موقف كوميديٍّ ذي تأثير مُضحك.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store