Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
حليمة مظفر

..ويمشي كالنعامة!

A A
هناك أمثلةٌ عديدةٌ ذُكرت فيها النعَّامة، نحو «أسدٌ عليَّ وفِي الحروبِ نعامةٌ»، أو «يدسُّ رأسَهُ كالنعَّامةِ» كناية عن الجُبن والضَّعف، وأظنُّ الأخيرَ لم يعطِها حقَّها؛ لأنَّها لا تدفنُ رأسها خوفًا، بل لتسمع ذبذبات الأرض؛ كي تستقرئَ الخطر، أو بحثًا عن الماء، أو لتحفر حفرةً لبيضها، مع ذلك لا يمنع أنْ نضيف مثلًا جديدًا للنعَّامة -أعانها الله على البشر- وهو «يمشي كالنعَّامة» صورة كاركتوريَّة تناسب صنفًا من البشر، وأقصد المتعالي الهش المنتفخ غرورًا.

إنَّه يمشي كالنعَّامة، تراه هشًّا عمليًّا، وفجأةً قفز قفزاتٍ سريعةً بخطواتٍ واسعةٍ رغم هشاشته وضعفه على مَن هم أكفأ منه، من باب حصوله على تزكية، أو لأنَّه ابن أو ابنة فلان، أو نتيجة لتقرُّبه للمديرين من باب «الذكاء العاطفيِّ» الذي هو تحسين لمسمَّى (النِّفاق)، وحين تنتهي مصالحهم، انتفخُوا كما البالون! تعاليًا وتكبُّرًا وغرورًا بعد أنْ تحوَّلُوا في مدَّة محدودةٍ إلى منصب يتقدَّمُ فيه الأكفاءُ والأكثرُ خبرةً وتمرُّسًا، وهذا الصنف تراه قليلَ الذَّوق، يتجاهل ردَّ السَّلام، ويرى برستيجه الجديد لا يليق أنْ يجالس، أو يحادث الأقلَّ منه، رغم هشاشة خبرتِهِ وفشلِهِ!

لا بُدَّ أنَّ المواقف مرَّت بكَ مع هكذا نماذج، أقصدُ المنتفخِينَ بالهشاشة غرورًا وكبرياء ممَّن لا تمتلك معه إلَّا أنْ تشعر بالشفقة عليه، وأنت ترى الواحد منهم يمشي كالنعامة، رقبته مرفوعة، ومنخاره كمنقارها، ولا يزيد عقله عن عقلها، ولسان حاله يقول: (يَا أرضُ اتهدِّي مَا عَليكِ قَدِّي).

إنَّه يجد نفسه بلغ الأهميَّة القُصوَى في تقدير الذَّات، والإنسان العادي لا بُدَّ أنْ يقدِّر ذاته، لكن المبالغة تقطع الشَّعرة الوحيدة بين الاعتزازِ بالنَّفس والتكبُّرِ -والعياذ بالله- خاصَّةً وأنَّ المتكبِّرِين يتَّسمُونَ بالفراغ مهما وصلُوا إليه من علمٍ، ومناصبَ، وأموالٍ، وجاهٍ عائليٍّ؛ لأنَّ التكبُّر والغرور أساسَان لا ينتجَان إلَّا لدى مَن يشعر بالنَّقص والفراغ الداخليِّ، وهذا لا يكون إلَّا مع إدراكه فقرَه في الإنجاز والعجز عن الإبداع، فيستمد أهميَّته من منصبِهِ، أو مالِهِ، أو جاهِهِ العائليِّ، أمَّا المبدعُ والمنجزُ والعالِمُ الحقيقيُّ فلا يتكبَّر، ولا يُصاب بالغرور؛ لأنَّه يدركُ حاجته المستمرَّة للتعلُّم، وللإبداع والإنجاز، وهذا الإدراك -بحدِّ ذاتِهِ- يجعله متواضعًا ممتلئًا بتقديرِهِ الذاتيِّ لنفسه، ويترك إنجازه وإبداعه وحده مَن يتحدَّث عنه، سواء كان بمنصب، أو من غيره، أو كان صاحب مال، أو لا، أو كان من ذوي الجاهِ، أو دونه، إنَّه ممتلئٌ بنفسه، والمحيطُونَ به يدركُون امتلاءَهُ بما ينعكسُ عليه تقديرًا واحترامًا، عكس الذي يمشي كالنعَّامة، مثيرًا سخرية المحيطِينَ به.

عن نفسي، حين أرى هذه النوعيَّة من البشر، أقولُ بصدقٍ: «اللَّهُمَّ عَافِنِي ممَّا ابْتَلاهُم»، فمَا هم فيه بلاءٌ بائسٌ، لا يتمنَّاهُ الإنسانُ لنفسه، وليس هناك أكثر بؤسًا من المتكبِّرِينَ الذين جاءَ ذكرهم في القرآن الكريم بأكثر من موضعٍ يصف مثواهم -والعياذ بالله- ففي سورة النحل قوله تعالى: «فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ»، وفي سورة الزمر: «قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ»، وفي سورة غافر: «ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ». وحين ترى هذا الصنف البشريَّ منبوذًا من خلق الله، فأمر طبيعي، إذ كيف يُحبونَ؟! مَن لا يحبُّه اللهُ تعالى الذي يقولُ: «إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ»، ولهذا في وصية لقمان شدَّد على بنيه تنفيرًا من التكبُّر: «إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ»، فليس هناك أسوأ من ألَّا يحبكَ الله تعالى.

أخيرًا، اللَّهُمَّ عافِنَا ممَّا ابتلاهُمْ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store