في شوارعنا، حيث تلتقي السُّرعة مع الاستعجال، وتتصادم رغبات السَّائقين في الطُّرق، ومع كثرة المركبات، يظهر صوتُ أبواق السيَّارات، وكأنَّه جزءٌ أساسٌ من المشهد اليوميِّ، ورغم أنَّ هذا الصوت وُجد في الأصل كوسيلة تنبيه لسلامة الطَّريق، إلَّا أنَّه تحوَّل مع الوقت في كثير من الأماكن إلى ضجيجٍ مزعج، يعكس ثقافة مروريَّة متأزِّمة، وسلوكيَّات تحتاج إلى إعادة ضبط، من خلال إدارات المرور الفاعلة.
البوق في جوهره جهاز إنذار، الغرض منه تنبيه المشاة، أو السَّائقين الآخرين إلى خطر وشيك، أو إلى وجود مركبة قادمة في طريق غير متوقَّع. في القوانين المروريَّة العالميَّة، يُحدَّد استخدام البوق في نطاق ضيِّق وواضح، في التنبيه عند الخطر، أو لتفادي حادث، لكنْ في واقع كثير من الدول، وخاصَّة في المدن ذات الكثافة السكانيَّة العالية، أصبح البوق أداةً للتعبير عن الغضب، الاستعجال، وحتَّى المزاج الشخصي.
إنَّ الإفراط في استخدام أبواق السيارات يُخلِّف آثارًا نفسيَّة واجتماعيَّة وصحيَّة واضحة، حيث إنَّ الأصوات المتكرِّرة والعشوائيَّة تُسبِّب توترًا دائمًا للسَّائقِينَ والمشاةِ -على حدٍّ سواءٍ- وتزيد من مستويات القلق والعصبيَّة، بل ترتبط علميًّا بارتفاع ضغط الدم، اضطرابات النَّوم، وحتى أمراض القلب، وهذا يقع تحت مُسمَّى «التشوُّه السمعيِّ للإنسان».
وحين يُستخدم البوق في كل موقف صغير، يفقد قيمته الأساسيَّة كأداة تحذير، فلا يعود المستمع يُميِّز بين صوت تنبيه لحادثٍ محتملٍ، وبين مجرَّد تعبير عن غضبٍ عابرٍ.
وصدقًا، إنَّ استخدام البوق يرتبطُ -أيضًا- بالثقافة المروريَّة في بعض المجتمعات، ويُنظر للبوق كحقٍّ للسائق يُعبِّر به عن وجوده، أو عن أولويته في الطريق، بينما في أُخْرى يعتبر استخدامه المُفرط سلوكًا غيرَ حضاريٍّ، هذه الفروقات تكشف أنَّ دور إدارات المرور لا يقتصر على اللوائح والقوانين فقط، بل يشمل أيضًا رفع مستوى الوعي، وتعزيز ثقافة احترام الطريق، والآخرين، وعلى الإدارات المروريَّة أنْ تتحمَّل مسؤوليتها في ضبط هذا السلوك، وهناك عدة محاور يمكن التركيز عليها:
- التشريع والتطبيق الصارم، من خلال سن قوانين تُحدِّد استخدام البوق في حالات الخطر فقط، وفرض غرامات واضحة على مَن يستخدمه بشكل مزعج. - إطلاق حملات إعلاميَّة توضِّح مخاطر الضوضاء، وأهميَّة استخدام البوق بشكل مسؤول.
- إدراج التوعية في جميع المدارس، وخاصة مدارس تعليم قيادة المركبات، بحيث يتعلَّم السَّائق من البداية أنَّ البوق ليس وسيلةً للتعبير عن الغضب. - تصميم طرق ذكيَّة وأنظمة إشارات مروريَّة أكثر انسيابيَّة يساهم في خفض معدَّلات التوتر بين السائقين.
- تركيب حسَّاسات لقياس مستويات الضوضاء في المناطق المزدحمة، وربطها بأنظمة رقابيَّة متطوِّرة.
ختامًا، المطلوب ليس إلغاء البوق، بل إعادة استخدامه في وظيفته الأصليَّة، فهو أداة أمان، وليست وسيلة للتعبير العاطفيِّ أو التنفيس عن الغضب، هنا يظهر دور إدارات المرور في التوعية، ولتحقيق التوازن بين حق السائق في التنبيه، وحق المجتمع في بيئة هادئة وآمنة.


