أكثر ما يلفت نظرك، عند الدخول من بوابة نادي الأنصار هذه الأيام -بعد استحواذ شركة (أباسكو) عليه-، هو التفاؤل الذي يعمُّ كلَّ شيءٍ، والرُّوح الجديدة التي تلمحها في كلِّ عين تقابلك، تفاؤل وثقة ستملؤكَ بأنَّ هذا الكيان الذي كان يحتضر قبل أشهر قليلة فقط، دبَّت فيه الحياة من جديد، وتجدَّدت دماؤه، واشتعلت كلُّ مواقد الأمل فيه.. لم يكن الأمر صدفةً بالطَّبع، بل هي نتيجة فكرٍ شابٍّ يُؤمنُ أنَّ التَّغيير لا يصنعه الحظُّ، ولا حتَّى المال فقط، بل تصنعُه الرُّؤيةُ السَّليمةُ، والتَّخطيطُ الصَّحيحُ.
قبل أشهر قليلة، كان نادي الأنصار بالمدينة المنوَّرة، يعيش وضعًا مأساويًّا، مرحلةً صعبةً في كلِّ شيءٍ، جمهور مبتعد، ونتائج مخيِّبة، وفريق هابط إلى مصاف أندية الدرجة الثَّالثة، أو دوري المظاليم -كما يطلقُون عليه- وفجأةً تغيَّر المشهدُ، عمل دؤوب، تفاؤل كبير يطوف حول النادي، حياة في الممرَّات وفي المكاتب، لغة مختلفة، لن تسمع منها حديثًا عن مباراة مقبلة، بل عن مشروعٍ مستقبليٍّ متكاملٍ، يبدأ من الاسم الغارق في القدسيَّة والتاريخ، ولا ينتهي عند حدود الملعب.
لعلَّ السَّبب في كلِّ هذا؛ أنَّ الأنصار اليوم لم يعدْ يُدار بعقليَّة «الفريق» المنافس، بل بفكر «المؤسَّسة» الشَّامل.. مشروعاته المقبلة تتضمَّن متحفًا يوثِّق ذاكرة المدينة، واسم النادي العزيز، و(بوليفارد) تجاريًّا نابضًا بالحياة، وفندقًا يحقِّق عائدًا مستدامًا، إلى جانب مدرسة تعليميَّة تمتدُّ من الابتدائي حتَّى الثَّانويِّ، تجمع بين التعليم والرياضة والانتماء.
الفكر الذي يقود النادي الآن، هو امتداد طبيعيٌّ لرُوح رُؤية المملكة 2030، جيل جديد من الإداريِّين السعوديِّين الذين تأثَّروا بهذه الرُّؤية، فصارُوا يتحدَّثُون بلغة الكفاءة، ويتنفسُونَ التحوُّلَ، ويعملُون بعقليَّة القطاع الخاص داخل كلِّ مؤسسة عامَّة، هؤلاء لم يأتوا ليُديرُوا فقط، بل ليُغيِّرُوا كلَّ شيءٍ.
وهكذا وضع نادي الأنصار الخطوات الأُولَى؛ ليكون نموذجًا مصغَّرًا لما تريده الرُّؤية الكُبْرى، مؤسَّساتٌ تعرف كيف تُنوِّع مواردها، وتستثمر طاقاتِها، وتبني هويَّتها الخاصَّة.. ونادٍ يريدُ أنْ يكون (براند) المدينة المنوَّرة، وأنْ يُسوِّق نفسه للعالم الإسلاميِّ من بوابة الفكر والاقتصاد، لا النتائج الرياضيَّة فقط.
في كلِّ زاويةٍ من النادي؛ تشعر أنَّ التحوُّل لم يعدْ شعارًا يُرفع، بل سلوك يُمارس، فكرة تُترجم، ومشروع يتحرَّك، وفريق يعمل بهدوء، لكنَّه يترك أثرًا واضحًا.
الأنصار اليوم لا يبحث عن العودة إلى الدوري الممتاز، بقدر ما يبحث عن مستقبلٍ يناسبُ المدينة التي يحمل اسمها.. مستقبلٌ يستقي أفكارَه من طهرِها وعظمتِها وعمقِها الإنسانيِّ.. ومَن يمرُّ من هناك، سيملؤهُ التفاؤلُ والثِّقة بمستقبل مشرقٍ عمَّا قريب -بإذن الله- و سيُدرك أنَّ الرُّؤية السعوديَّة حين تُزرع في العقول، تُثمرُ في الميدان، تمامًا كما أثمرت هنا، في (الأنصار 2030).


