Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد علي الزهراني

الوقت الرقمي.. مقبرة الأعمار!

A A
يبدو أنَّ عقرب السَّاعة لم يعدْ يصنع الفارق، في زماننا هذا، فقدْ غدَا الإنسانُ أسيرًا لزمنٍ آخرَ؛ زمن لا يُقاس بحركة الشَّمس، ولا بدوران القمر، بل بوميض شاشة، واهتزاز إشعار. إنَّه «الوقت الرقميُّ الضَّائع»، ذلك الفراغ الذي يُهدر في زحمة التصفُّح، ويذوب بين سطور لا تنتهي من أخبار، وصور، ورسائل، ومقاطع، ومنصَّات، ويوميَّات، حتَّى غَدَا العمرُ يتسرَّب من بين الأصابع، كما يتسرَّبُ الماءُ من يدٍ عطشَى.

الوقت في جوهره نعمةُ الوجود، لكنَّه في عصرنا تحوَّل إلى سلعة تُستهلَك بلا وعيٍ، تُنفَق في غُرف افتراضيَّة كأنَّها مسارحُ بلا أبوابٍ، ندخلها متلهفين، ونغادرها مثقلين باللاشيء.. صار الإنسان يُبدِّد أجملَ لحظاته على مقاطع عابرة، يضحك لدقيقةٍ، ثمَّ ينسَى، يبكي لثانيةٍ، ثمَّ يتناسَى، وكأنَّ عاطفته رهينةُ خوارزميَّات، تحدِّد له متى يفرح، ومتى يحزن، ومتى يتوه في دوامة لا قرار لها.

الوقت الرقمي المُهدر، ليس مجرَّد ساعات تذهب سدى، بل هو سرقة لجوهر الإنسان، لطاقته ولحضوره الداخليِّ. إنَّه زمن بلا أثر، لا يترك في الذاكرة سوى فراغٍ عريضٍ، أشبه بصفحة بيضاء امتلأت بالنقاط، لكنَّها خلت من الكتابة. حين ينظر المرء إلى الوراء، يكتشف أنَّه عاش كثيرًا من اللحظات، لكنَّه لم يعش لحظةً واحدةً كاملةً؛ لأنَّ حضوره كان دائمًا افتراضيًّا معلَّقًا بين شاشة وأُخْرى. الحقيقة تهمس لنا وتقول: «ليس المهم أنْ تمضي في الزَّمن، بل أنْ يترك الزَّمنُ أثرًا فيكَ». ولعلَّ الخطرَ الأعظمَ ليس في فقدان الوقت، بل في اعتياد فقدانِهِ حتَّى نصبح غرباءَ عن أنفسنا، ومَن حولنا.. نحيا أعمارًا طويلةً في ظاهرها، لكنَّها فارغة في باطنها، كحكايات بلا معنى.

إنَّ استعادة الوقت الرقمي المهدر، تبدأ من لحظة إدراك ناشزة، لحظة نغلق فيها النافذة الوهميَّة، ونفتح نافذة الحقيقة، فنعود إلى دفء الواقع، إلى صمت يخصُّنا لا يفرضه أحدٌ علينا، إلى لقاء حقيقيٍّ مع ذواتِنا يلمس القلب لا الشَّاشة، نلتفت يمينًا ويسارًا، إلى مَن حولنا.. ونراجع حساباتنا ونتذكَّر واجباتنا الدِّينيَّة والدنيويَّة، عندها فقط نتحرَّر من أسرِ الزَّمن المزيَّف، ونعود إلى الزَّمن الذي يصنع معنى الوقت، ولحظات العمر الحقيقيَّة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store