Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
حليمة مظفر

السودان.. مأساة جنودها بيادق شطرنج!

A A
تعود المأساة السودانيَّة إلى المشهد الدوليِّ من جديد، هذه المأساة التي يعجز العقلُ الإنسانيُّ تصديقَها، فالإخوة يقتلُون بعضهم بعضًا دون أنْ يعرفوا سببًا يدعوهم للقتل، أو لماذا يُقتلُون سوى لأنَّه «سودانيٌّ»!! وكأنَّ هؤلاء ممَّن يعتقدُونَ أنَّهم جنودٌ يرفعُون التكبير مرَّة، والشعارات الوطنيَّة مرَّة، وهم يقتلُونَ إخوتَهم؛ مجرَّد بيادق يتم اللَّعب بها في رقعة الشطرنج، ويتم تحريكها لتحقِّق مصالح متنافسِينَ على رقعة السودان؛ للفوز بحصدِ الضحايا!.

إنَّها مأساةٌ يتم ارتكاب جرائمها في ظلِّ اتِّصالات ضعيفة ومنقطعة في معظم المدن والقرى السودانيَّة، فيما التَّهديد المباشر لحياة الإعلاميِّين والصحفيِّين تسبَّب في تغييب قصَّة مأساة السودان لأكثر من سنتَين، وكان تجويع وحصار أكثر من 500 يومٍ الذي ارتكبته «قوات الدَّعم السَّريع» لمدينة الفاشر، منعُوا خلاله دخول الأغذية، والأدوية، والمساعدات الإنسانيَّة للمدنيِّين، ولم يعرفْ بها الجمهورُ العالميُّ حتى سقطت المدينة، وارتكبت الانتهاكات الجسيمة في عاصمة شمال ولاية دارفور.

المؤسف أنَّه بعد اقتحامها، رصدت المقاطع المصوَّرة - التي أوصلت القصَّة- انتهاكات، وإعدامات أكثر من 2000 من المدنيِّين السودانيِّين بدمٍ باردٍ، بل حتَّى المرضى والمصابِينَ والعاملِينَ من الكادر الصحيِّ لم يسلمُوا في المستشفى الوحيد العامل في المدينة المحاصرة، وهو المستشفى السعوديُّ للتوليد، فتمَّت تصفيةُ الجرحَى ومرافقيهم وإعدامُهم، ووصل عددهم لأكثر من 450 قتيلًا، كما نقلت وسائل الإعلام، ومعظم الجرائم ضحيَّتها من النِّساء والأطفال، وكبار السِّن، وهذه المقاطع وصلت في ظلِّ ضعف شبكة الاتِّصالات، فماذا عن التي لم تصل، ولم تُصورِّها الهواتفُ؟! حتَّى أنَّ الصحفَ تناقلت ما صوَّرته الأقمارُ الصناعيَّة التي رصدت صور (الفاشر) تتبعثرُ في شوارعها جثثُ القتلَى ودماؤهم، فما يحصل في مدينة الفاشر وغيرها من القُرى السودانيَّة لا يمكن وصفه، إلَّا أنَّه توحُّشٌ بشريٌّ، ولا يفعله إلَّا مَن انعدم ضميرُه الإنساني، ويكفي أنْ ترى مقاطع «أبو لولو»، أحد قيادات الدَّعم السَّريع، وتصفيته للأبرياء المدنيِّين، وهو يستمتع مبتسمًا؛ لتعرف مستوى التوحُّش الذي وصل إليه بعض البشر في عالمنا.

إنَّ الحرب الأهليَّة في السودان، بما تنقله من مآسٍ إنسانيَّة، وتغذِّيه -مع الأسف- تدخُّلات خارجيَّة، لا تصبُّ في صالح السودان ووحدتِهِ واستقرارِهِ، خاصَّةً أنَّ اشتعال الصِّراع يحصل في هذا التوقيت بالذَّات، بعد اتفاقيَّة وقف إطلاق النار في غزَّة، وبهذا الشكل الكارثيِّ؛ ممَّا يخدم أجندات إسرائيل في المنطقة، والمنظَّمات الإرهابيَّة التي تجد بيئتها الخصبة داخل بيئات الصِّراع الداخليَّة.

أخيرًا، ينبغي وقف الانتهاك الفادح لحقوق الإنسان في السودان، وأنْ تحترم أطراف الصراع حقوق السودانيين المدنيين في الحياة الآمنة، وتسمح قوات الدعم السريع بدخول المساعدات الإنسانيَّة والمنظَّمات الإغاثيَّة، ولا بُدَّ من احترام القانون الدوليِّ الإنسانيِّ، والالتزام به، وفق ما جاء في إعلان جدَّة (الالتزام بحماية المدنيِّين في السودان) المُوقَّع بتاريخ 11 مايو 2023م، وهو ما أكَّدت عليه السعوديَّة في بيانها الواضح، الذي أعربت فيه عن قلقها خلال متابعة الأحداث الجسيمة في مدينة الفاشر، ومن المهم العودة إلى الحوار، ووقف إطلاق النار، والمحافظة على وحدة واستقرار السودان؛ لأجل السودانيِّين.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store