Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد البلادي

الإعلام.. وفوضى المسميات!

A A
في زمنٍ صارت فيه الهواتف منابر إعلامية، أصبح من الصعب التفريق بين من يملك رسالة، ومن يملك متابعين.. تسأل أحدهم: من هذا الذي يتحدث في السياسة والاقتصاد والرياضة والدين؟، فيُجيبك: إنه «إعلامي»، رغم أنه لم ينتمِ إلى مؤسسة إعلامية قط!.. بل وضع هذا اللقب (السحري) أمام اسمه، لتُفتح أمامه كل الابواب المغلقة، وليتلقَّى دعوات الولائم والتكريم، لمجرد أنه «مشهور»، أتقن فن الإطلالة، لا أصول مهنة الإعلام.

هذا الخلط السائد اليوم بين الإعلامي المحترف و(مشهور التواصل الاجتماعي) لم يعد تفصيلاً لغويًا، بل بات خللًا في المفهوم نفسه.. فالإعلام؛ المهنة التي لها أصولها وضوابطها، لا تقوم على مجرد «المتابعة» والتصوير، بل على «المسؤولية» في المقام الأول، ولا تكتفي بنقل ما يُقال، بل تتحقق منه، وتتأكد من عدم ضرره للمجتمع وعموم الوطن.. على عكس مشاهير المنصات، الذين لا يُقاس نجاحهم بصدق المعلومة، بل بسرعة انتشارها، حتى لو كانت سماً زعافاً يطير على أجنحة الترندات.

في الماضي، كان الإعلامي يُعدّ نفسه قبل أن يُعدّ مادته الإعلامية، ويتعلم أن الكلمة أمانة، وأن كل خبرٍ ناقصٍ يعد جريمةٌ مكتملة.. كان هذا عندما كانت النجومية الإعلامية تُكتسب بسنواتٍ طوال من التجربة والدراسة، والالتزام والمهنية، لا بثلاثين ثانية من مقطعٍ متقن المونتاج، كما يحدث اليوم في (إعلام المنصات)، الذي يناقش كل شيءٍ بلا أدنى مسؤولية، ويُقدَّم (مصوّريه) بوصفهم «إعلاميون»، لمجرد أن لديهم جمهورًا ولايكات، ولتذهب المصداقية إلى الجحيم!.

المؤسف أكثر أن بعض المؤسسات الإعلامية العريقة (طارت بالعجة) واستقطبت بعض هؤلاء (المتطفلين) طمعاً في جماهيريتهم.. بينما لا يزال بعض الإعلاميين الحقيقيين، الذي يؤمنون أن التحقق أهم من السبق، بعيدين عن الدعوات والأحداث المهمة!.

عندما يتساوى الإعلامي صاحب المعلومة الموثوقة مع المتطفل صاحب المقاطع الساخرة في اللقب والمسمى، فاعلم أننا في أزمة حقيقية، وأن بساط المهنة يُسحب من تحت أقدام أهلها، عندها ليس من المستغرب أن يفقد الجمهور ثقته بالمعلومة، وأن يختلط الجدّ بالهزل، وأن تلبس الشائعة ثوب الخبر، ويصبح «الإعلامي» عند كثيرين؛ هو من يظهر أكثر، لا من يقدم الحقيقة.

من المهم فصل المسميات بوضوح.. فـ(الإعلامي) لقب لابد أن يقتصر على من يمارس المهنة من خلال مؤسسة إعلامية محترفة، تلتزم المهنية والأخلاق الإعلامية، ولا مانع أن يمنح (صناع المحتوى) مساحتهم، ودورهم، ولكن دون أن يتسلل أحد منهم إلى لقبٍ لا يخصه، فالإعلام التزام وحرفية، لا شهرة، ولا حتى هواية.. والخلط الحادث اليوم بين المسميين لا يربك المفاهيم فقط، بل يُربك الوعي المجتمعي بأكمله، وهنا مكمن الخطورة، فحين يضيع الوعي الإعلامي الجمعي، لا يبقى في الساحة سوى ذلك الضجيج المزعج، الذي يملأ فضاءاتنا الآن.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store