وأنا أهمُّ بكتابة هذا المقال، دخلتُ في حوار داخليٍّ كالعادة! ماذا سأكتبُ؟! الكثير من الأفكار والأحداث والأخبار ملأت يوميَّاتي خلال أسبوع كامل، عصفت بتفكيرِي؛ كي أختارَ موضوعًا لهذا الأحد.. وللحظةٍ تساءلتُ: كم مرَّة استمعتُ إلى قلبي، وأنا أتحدَّث مع عقلِي؟! مجرَّد سؤال؛ يمكن تأمُّله جيدًا مع ذاتك بهدوء، ولنركز على هدوء.
الجميع دون استثناء، يتحدَّث مع عقله، أو نفسه، أو ذاته بحسب ما نظن، وهنا يأتي سؤال: هل في حواراتنا الداخليَّة نتحدَّث مع العقل، أم النفس أم الذات؟ وهل هناك فرق بينها؟! ومتى يتدخل القلب/ العاطفة في هذا الحوار؟! هل نستمع للقلب ونحن نتحاور داخليًّا مع الآخر، الذي ينفصل عنَّا فجأةً وكأنَّه شخص آخر مجهول! لكنَّه أنت!!
أحيانًا يُملي عليك أوامره، أو اقتراحاته وتوصياته.. وأحيانًا يُفكِّر عنك! أحيانًا يجعلك تتآمر على الآخرين، أو تظن بسوء تجاه الآخرين.. يدفعك إلى كُرهِ فلان أو الإعجاب بفلان..! بل يدفعك إلى أنْ تعجب بنفسك إلى درجة الغرور والنرجسيَّة!! أو إلى كُره ذاتك، ويشعرك بالإحباط نتيجة السوداويَّة والسلبيَّة التي يُدخلك في حبالها!! وهكذا تجد نفسك مشتتًا مع آخر، يعرف كل أسرارك! وقد تُصبحون ثلاثةً فجأةً، وتتحوَّل أنتَ إلى مستمعٍ لهما.. يأتي الثالث ليدفعك إلى الإيجابيَّة والمنطقة البيضاء، وحُسن الظنِّ والتوازن في حوارك الداخليِّ ويواجه عنك الشِّرير المشجِّع للأفعال السَّيئة!! هكذا تصبح أنتَ، واثنان منشطران منك، ولا أحد في الخارج يعرف عن حواركم السرِّيِّ!!
إنَّنا جميعًا نتحدَّث يوميًّا في حوارات داخليَّة مُطوَّلة، منذ أنْ نستيقظ، وحتى غيبوبة النَّوم في اللَّيل! وخلال لحظات الصَّمت التي نظنُّها صمتًا! ربَّما عن الكلام بصوت مرتفع يسمعه المحيطُون بنا، إلَّا أنَّ الصَّمت الخارجيَّ يتحوَّل إلى ضجيجٍ من الثرثرة الداخليَّة مع أفكارنا ومشاعرنا وهواجسنا؟ ونجد أنفسنا نقضِي وقتًا مطوَّلًا في حوارات مع مجهول يعرفك جيدًا، يعرف نقاط ضعفك وقوتك! ويطرح عليك أفكارًا لم تخطر على بالك! أحيانًا لا نعرف لماذا؟ مثلا: «أشعرُ بالنُّعاس.. لازم يعني الدَّوام.. نَمْ وتأخَّر عن العمل.. ماذا يعني لو تأخَّرت مثل مديرك؟! ليت عندي رصيد في البنك.. جوعان.. ماذا سآكل!.. لا.. أكلتُ دجاجًا بالأمس.. أجرِّب الكباب.. أوووو.. وزنِي زائدٌ.. فلان رشَّح لي مطعمًا.. إيه فلان اتَّصلت به أكثر من مرَّة، و»طنَّش» طبعًا شايف نفسه بعد وظيفته الجديدة اللِّي جابها له نسيبه..! أنا أحسنُ منه، لكنَّ حظِّي رديءٌ.. أخْ بس.. أشعرُ بالملل.. وين أروح... إلخ؟».
ما سبق حوار داخليٌّ متخيَّل، ولكن كما تتفاوت حواراتنا الخارجيَّة مع الآخرين بحسب تفاوت تجاربنا الإنسانيَّة، وحصيلتنا المعرفيَّة وقدرتنا الفكريَّة ومستوى الوعي، وبلا شكٍّ قيمنا الأخلاقيَّة والوازع الدينيُّ الذي نمتلكه، كذلك تتفاوت حواراتُنا الداخليَّة مع الذات، فكل ذلك مؤثِّر في طريقة تعاملنا مع ذواتِنَا، ومن ثمَّ في طريقة تفكيرِنا واختياراتِنا، وبالتَّالي تجاربنا التي سنعيشُها بناءً على هذه الاختيارات.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ماذا لو كان الإنسانُ عديمَ الأخلاقِ، ووازعُه الدينيُّ ضعيفًا، كيف سيكون حواره الداخلي مع نفسه؟! كيف سيختار تعامله مع الآخرين، بتفكيره الضيِّق وقيمه السَّيئة؟! أترك ذلك لمخيلتك، بلا شك سيكون حوارًا داخليًّا سلبيًّا، فيما العكس صحيحٌ تمامًا.
كأنِّي أسمعُ حوارك الداخليَّ يسأل: حليمة.. وين رايحة في هذا المقال؟؟
أجيبُك بسؤالٍ: أنتَ الآنَ تتحدَّث مع عقلِكَ، أم نفسِكَ، أم قلبِكَ؟


