Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أحمد أسعد خليل

الصحافة الصفراء

A A
الصحافة الصفراء، أو كما تُعرف أحيانًا بـ(صحافة الفضائح)، هي ذلك النَّوع من الإعلام الذي يلهثُ خلف الإثارة على حساب الحقيقة، ويُضخِّم الأحداث العاديَّة؛ لتتحوَّل إلى عناوين صادمة، تُثيرُ الغرائز وتستدرُّ الانتباه، ونشأت هذه الظاهرة في أواخر القرن التاسع عشر في الولايات المتَّحدة خلال التنافس المحموم بين صحيفتَي «نيويورك وورلد»، و»نيويورك جورنال»، وساعد على نشوئها؛ النَّاشر والصحفيُّ ويليام راندولف هيرست، في حين أنَّ الصحيفتَينِ استخدمتَا أساليب مثيرة لزيادة التوزيع، فظهرتِ المقالاتُ المليئة بالمبالغات والاتِّهامات والقصص التي تفتقر إلى التحقُّق. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الصحافة الصفراء رمزًا لكلِّ محتوى إعلاميٍّ يُقدِّم الضجيج بدل المعلومة، والعاطفة والميول بدل العقل.

وتعتمد الصحافة الصفراء على عدَّة أدوات واضحة، مثل العناوين المبالغ فيها، والصور المثيرة، واللُّغة العاطفيَّة، والتَّركيز على القضايا الشخصيَّة، أو الفضائح الاجتماعيَّة والسياسيَّة وغيرها، وهدفها الأساس ليس تثقيف القارئ، أو توعيته، بل جذب انتباهه -بأيِّ وسيلةٍ ممكنةٍ- لتحقيق أكبر عدد من المشاهدات، أو المبيعات، وفي زمننا هذا؟ تحوَّلت هذه الممارسات إلى ما يُعرف اليوم بـ(التريند)، أي المحتوى الذي يُصاغ بطريقة تُجبرك على الضغط، ثمَّ تكتشف أنَّ الخبر إمَّا مُضلَّل، أو ناقص، أو مُشوَّه عمدًا.

خطر الصحافة الصفراء لا يقتصر على تشويه صورة الأفراد أو المؤسسات، بل يمتد إلى تهديد المجتمع كله، فهي تزرع الشكَّ والكراهية بين فئاته، وتُحوِّل الرأيَ العام إلى ساحة فوضى من الشائعات والاتِّهامات المتبادلة، وكثير من القضايا الاجتماعيَّة الحسَّاسة تم تضخيمها إعلاميًّا، حتى تحوَّلت إلى أزمات حقيقيَّة، بينما كانت -في الأصل- قابلةً للحلِّ بهدوء وعقلانيَّة، كما أنَّ هذه الصحافة تُضعف ثقة النَّاس بالإعلام الجاد، فحين يختلط الصدقُ بالكذبِ يوميًّا، يصبح الجمهورُ عاجزًا عن التَّمييز بين الحقيقة والزَّيف.

من الناحية الأخلاقيَّة، تُعدُّ الصحافة الصفراء خروجًا عن جوهر المهنة الصحفيَّة؛ التي تقوم على الدقَّة والنَّزاهة، وخدمة المصلحة العامَّة، فالإعلام في الأصل مسؤوليَّة اجتماعيَّة ورسالة، لا سوق مزايدات، ومع ذلك، فإنَّ انتشارها السَّريع يعكسُ أيضًا خللًا في ذوق الجمهور نفسه، إذْ لا يمكن لأيِّ وسيلة إعلاميَّة أنْ تستمر دون طلب من المتلقِّين؛ لذلك فإنَّ مقاومة الصحافة الصفراء، لا تكون فقط بوضع القوانين والعقوبات، بل بتربية الوعي الإعلامي لدى الناس، وتشجيعهم على البحث عن مصادر موثوقة، وعدم الانجرار وراء الأخبار المثيرة.

واليوم، ومع سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الصحافة الصفراء أكثر خطورة من أيِّ وقت مضى؛ لأنَّ أيَّ شخص يستطيع أنْ يصبح «صحفيًّا» في لحظة، ومن وجهة نظره، وأنْ يستغل هذا الأمر بشكلٍ سلبيٍّ قد ينتج عنه خلافات ومحدثات كثيرة؛ لأنَّه يستطيع أنْ ينشر شائعة تصل إلى الملايين خلال دقائق.

وهنا يظهر ويكمن الدور الحيويُّ للمؤسسات الإعلاميَّة المحترفة في الالتزام بمعايير المصداقيَّة، وتوضيح الفروق بين الخبر والرَّأي، وبين التَّحليل والتَّهويل، كما يتحمَّل الأفراد مسؤوليَّة أخلاقيَّة في التحقق قبل النشر والمشاركة؛ لأنَّ الكلمة في هذا العصر قد تقتل سمعةً، أو تُشعل فتنةً، أو تهدم ثقةً؛ استغرق بناؤها سنين.

لا خلاص للمجتمعات إلَّا بالعودة إلى جوهر الصحافة الحقيقيِّ في نقل الحقيقة بإنصاف، واحترام عقل القارئ، والتزام الصدق مهما كانت الإغراءات، فالمصداقيَّة لا تُباع، ومن يُفرِّط بها يفقد جوهر مهنته، مهما ارتفعت نسب المشاهدة، أو ازداد عدد المتابعِينَ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store