في زمنٍ تتكاثر فيه السطحية حول العالم، ويعلو ضجيج المحتوى الفارغ الذي نشتكي منه صباح مساء، تبرز بين الحين والآخر شموع مضيئة، تؤكّد للجميع أن هذا الوطن لا يزال يزخر بالعقول النيرة، وأن في كل جيلٍ من أبنائه؛ هناك من يحمل شعلة النور لكل العالم.
نقطة الضوء هذه المرة جاءت من المدينة المنوّرة؛ حيث اجتمع العلم والإلهام في عقل شابةٍ سعودية لم تتجاوز السابعة عشرة، اسمها «تالين صالح الجهني»، التي وقفت قبل أيام على منصةٍ عالمية في لندن؛ لتحصد ميداليتين ذهبيتين وجائزة كبرى في معرض الابتكار الدولي، رافعةً علم المملكة، ومعبّرةً عن استمرار عطاءات وطنٍ لا يعرف المستحيل.
إنجاز «تالين» استوجب أن أكتب عنه اليوم، فهو ليس مجرد فوزٍ شخصي، بل رسالة وطنية مضيئة تقول: إن الإبداع السعودي بخير، وإن أبناء الوطن حين يجدون الفرصة والدعم يُقدّمون ما يليق بمكانته بين الأمم.. لأنهم يُدركون أن عالم اليوم لم يعد يُقاس بما يملك من النفط أو الموارد، أو حتى التاريخ، بل بما ينتجه أبنائه من أفكارٍ وابتكارات تخدم البشرية جمعاء، فالابتكار هو لغة الصفوف الأولى، ومُحرّك التنمية، وبه تُبنى الاقتصادات، وتُصنع الفوارق الحقيقية بين الأمم.
وفي وطنٍ يضع رؤية 2030 نصب عينيه، ويجعل من دعم الموهوبين والمخترعين مهمةً وطنية عليا، ليس غريباً ألّا تتوقف المسيرة عند جائزةٍ أو تكريمٍ، بل تمتد لتأسيس بيئةٍ واسعة تُنبت المواهب، وتحتضن العقول، وتفتح لها الأبواب لتبدع وتنافس وتضيف للعالم أجمع.
ولأن الأمم لا تُقاس بعدد سكانها، ولا بثرواتها القابلة للنضوب، بل بمواهبها ومبتكريها الذين يرفعون أسهمها العلمية والاقتصادية والثقافية، ويصنعون لها مكانةً لا تُشترى بالمال، فإن أهم واجباتنا نحو «تالين»، وبقية النجوم المضيئة، هو أن نُظهرهم للناس، نُعرّف بهم، ونمنحهم ما يستحقون من دعمٍ وشهرةٍ وتقدير؛ وأن نصون شغفهم، ونرعاهم كما تُرعى البذور النادرة، حتى يُثمروا إنجازًا بعد إنجاز؛ وأن نمدّ لهم اليد لا لنُصفّق فحسب، بل لنُفسح لهم الطريق كي يمضوا أبعد، ونمنحهم الإيمان الذي يستحقونه، والبيئة التي تحتضن طموحهم، والتقدير الذي يليق بوهجهم.
احتفلوا بمبدعيكم، ادفعوهم للأمام فوق زبد الهشاشة والسطحية، فوجود هذه الوجوه المضيئة وسط كل هذا الركام المظلم، دليل على أن مجتمعنا بخير، وتعليمنا بخير، وأن النور لا ينطفئ ما دام في الوطن من يُفكّر ويعمل ويحلم.


