من نوازل الحياة الأدبيَّة التي ابتُلينا بها هذه الأيام، أنَّ التاريخ يُعيد نفسه كما تُعيد الكلابُ (العواءَ)، والقططُ (المواءَ).
ألقاب تتبعها ألقاب، يطلقها أنصاف الأدباء والمثقَّفِين على بعض الشعراء، ومَن لفَّ لفَّهُم من المتشيعرة، ويتبعهم (ناعقٌ جاهلٌ)، ويكرِّرها (بليدٌ خاملٌ)، وإذا اختبرت تلك الألقاب، ولمن هي؛ لن تجد أكثر من علامة (الصفر) في لغة الأرقام؛ ولكنَّها البهرجة الكاذبة، والخواء الفارغ، فلا شعر، ولا مشعور، ولا أدب، ولا مأدوب -إنْ صحَّ القولُ، وبانت العبارة-..!! في بحث لي بعنوان «منهج العقاد في نقد الشعر العربي القديم» وقفتُ عند الكثير من الآراء النقديَّة للعقاد، حول الشعر والأدب؛ ما يستحسن استصحابه هنا؛ فالأدب -كما يرى العقاد، ويراه أصحاب الفطرة السويَّة- أسمَى عنصر في هذه الحياة، وأنَّ التلهِّي والتسلِّي أسُّ الأخطاء جميعًا في فهم الآداب، والفارق الأكبر بين كل تقدير صحيح، وتقدير معيب في نقدها وتمحيصها، فالنظر إلى الأدب على أنَّه ملهاةٌ وتسليةٌ؛ هو الذي يصرف عن عظائم الأمور، وهو الذي يرفع عن الشاعر كلفة الجدِّ والنَّظر الصَّادق، فيصغى إليه النَّاسُ حين يصغُونَ كأنَّما يستمعُونَ إلى طفلٍ يلغُو بمستمْلح الخطأ، ويلثغ بالألفاظ المحبَّبة إلى أهله، وهو علَّة ما يطرأ على الكتابة والشعر من التزويق، والبهرج الكاذب، والولع بالمحسِّنات اللفظيَّة، والمغالطات الوهميَّة، ومن شاء تحقيق ذلك، والتثبُّت منه في تواريخ الآداب، فليرجع إلى تاريخ الأدب في لغتنا العربيَّة، ولينظر في أيِّ عهد هبط الأدب العربيُّ؟ إنَّه لم يهبط، ولا كثرت عيوبه في عهد الجاهليَّة، ولا في عهد الدولة الأمويَّة؛ ولكنَّه هبط وتطرَّق عليه كثيرٌ من عيوب اللفظ والمعنَى في أواسط الدولة العباسيَّة، أي في العهد الذي صار فيه الأدب هديةً تحمل لإرضاء، وتسلية، ومنادمة مَن يريدون في أوقات فراغهم.
إنَّ نظرة العقاد للأدب تقوم على فهم نوعين من أنواعه:
أدب تمليه بواعث التسلية، وعلالات البطالة، وتخاطب به الأهواء العارضة، وهو الأدب الذي يحوي ما توازع من ألوان الآداب السَّقيمة الغثَّة.
وأدب تمليه بواعث الحياة القويَّة، وتخاطب به الفطرة الإنسانيَّة عامَّة، وهو الأدب الصحيح العالي.
«مَا الحياةُ ومَا الأدبُ؟!»
شيئان كلا نسيجهما من مادة واحدة.. فالحياة هي شعور تتملَّاه في نفسك، وتتأمل آثاره في الكون، وفي نفوس غيرك.
والأدب هو ذلك الشعور ممثَّلًا في القالب الذي يلائمه من الكلام، وهو أنَّ في الآداب عنصرًا أسمَى من عنصر هذه الحياة الطبيعيَّة المحدَّدة.. ففي الأدب كل ما في الحياة من حاضر ومغيب، ومن فرائض وآمال، ومن شعور بالضرورة في الطبيعة إلى تطلُّع لحريَّة المُثل العُليا.


